أختي التي أكرهها
كنت أكرهها… أختي التي تكبرني بثلاث سنوات.
لم يكن الأمر غيرة عابرة، بل شعورًا متجذرًا في طفولتي، تغذيه نظرات والديّ وكلماتهم الموزونة بعناية لصالحها.
اليوم، وأنا أكبر، اكتشفت أن القصة لم تكن كما ظننت… وأن تلك الكراهية كانت تخفي شيئًا آخر تمامًا.
كنت في العاشرة من عمري، وهي في الثالثة عشرة، حين بدأ كل شيء يتشكل في داخلي مثل ظل ثقيل لا أستطيع طرده.
كانت أختي تكبرني بثلاث سنوات، لكن المسافة بيننا كانت أكبر من أي رقم.
أتذكر صباحات الشتاء في بيتنا الصغير، رائحة الخبز الساخن تملأ المطبخ، وأمي تضحك وهي تمسح شعرها المبلل بعد أن عادت من المدرسة، تقول لها: يا ذكية، حصلتِ على أعلى علامة مرة أخرى
كنت أجلس على الطاولة، أراقب المشهد بصمت، أحتسي كوب الحليب الذي صار بارداً، أنتظر كلمة، أي كلمة، فلا تأتي.
في المساء، حين يعود أبي، كانت خطواته تُسمع في الممر، وصوت مفاتيحه يرن في جيبه، يدخل بابتسامة، يربت على كتفها أولاً، ثم يسألني عن دراستي بلهجة عابرة. كنت أبتلع الغصّة وأقول: "جيد"، حتى لا يلاحظ شيئًا.
كنت أراها وهي ترتدي فستانًا جديدًا، اللون الوردي ينعكس على وجهها، أمي تدور حولها لتعدل الحزام، والبيت يمتلئ بتلك الرائحة الخفيفة لعطرها الجديد. أما أنا، فأقف عند الباب كزائر غير مُدعى، أختبئ خلف الإطار وأراقب.
كانت غرفتنا المشتركة مسرحًا لمعركة صامتة. على رفها كتب مرتبة وألوان زاهية، وعلى رفّي أشياء متناثرة، أعتبرها كنزي الفوضوي. كنت أختلق أسبابًا لعدم الحديث معها، أضع السماعات في أذني، أو أتظاهر بالانشغال، حتى لا أفتح بابًا لحوار قد يعيد تذكيري بأنني "الأقل".
لكن الزمن، بخطواته الهادئة، بدأ يمحو تلك الخطوط الحادة بيننا.
حين صرنا أكبر، بدأت أرى تعبها في ملامحها، ودوائر خفيفة تحت عينيها بعد ليالٍ من المذاكرة. ذات ليلة، جلسنا على شرفة البيت، والهواء البارد يلسع وجوهنا، واعترفت لي بأنها لم تكن تشعر أبدًا بأنها محظوظة كما كنت أظن. قالت إنها كانت تخاف دائمًا أن تخيب آمال والديّ، وإن "الامتياز" الذي رأيته كان في الحقيقة قيدًا يضغط على أنفاسها.
حينها، كأن جدارًا في داخلي تشقق.
بدأت أرى سارة كما هي، لا كما رسمتها في خيالي. لم تعد خصمي في معركة غير متكافئة، بل صارت شريكتي في رحلة طويلة، كل منا يحمل على كتفيه عبءً مختلفًا.
اليوم، حين أسمع ضحكتها وهي تحكي لي شيئًا عابرًا، أشعر بامتنان لأن تلك الكراهية الطفولية لم تنتصر. أختي التي كنت أكرهها، هي الآن أقرب من صديقة، وأعرف أنني لو لم أكرهها يومًا، لما كنت سأحبها بهذا العمق الآن.



حينما وصلني إشعارُ مقالِكَ هذا، ضغطتُ عليهِ مُباشرةً.لأني فقط قرأتُ كلمة أختي. و الأخوة بالنسبة لي أمرٌ مقدسٌ في حياتي. لامسَني النص بشدة. شعرتُ بكلِّ سطرٍ و كلِّ كلمة. و سأقولْ بأنَّ أختكَ ستكونُ في قمّةِ السعادة لو قرأتْ كلامك عنها. حتى و إن كنتَ تكِنُّ لها بعض الكراهية في الصغر، لكنها لم تدمْ و هذا هو الأهم!
اعتقدتُ في صغري أنَّ إخوتي يكرهونني لأنني الفتاةُ الوحيدة بينهم. لكني مع مرورِ الزمانْ. اكتشفتُ أني لن أجدَ من يحبني أكثرَ منهم و أن مئةَ صديقٍ لن يعوضِني أخًا واحدًا.
شكْرًا على نصكَ الجميلِ هذا، و على المشاعرِ الجميلة التي عشتُها و أنا أقرأه.
نعيش تحت سقف واحد نقتسم التفاصيل لكننا لا نعرف بعضنا حقًا... فليس القرب ما يصنع الألفة بل القلوب حين تُفتح بصدق