جريمة: عن الإنجاب
أرى أطفالاً يعيشون حياةً مذهلة؛ يمتلكون كل ما يريدون، ويحظون بعائلةٍ مستقرة، ومنزلٍ مريح، وملابس جديدة، ولا ينقصهم شيء بفضل رعاية والديهم. وفي المقابل، أرى آخرين يعيشون في ظروفٍ مُزرية، محشورين في بيوتٍ صغيرة بالكاد تتسع لهم، ولا يجدون مكاناً يلعبون فيه، ولا يستطيعون حتى شراء الدواء عندما يمرضون. بل إن بعضهم يعيش في بيئة سامة، مليئة بالصراعات والصياح، حيث لا يجد الطفل ملاذاً آمناً إلا لتصله الإهانات والكلمات الجارحة.
والغريب أن الفئة الأولى – المؤهلة فعلياً لتربية الأطفال – غالباً ما تنجب أطفالاً أسوياء مبدعين، تفوق سعادتهم وسلامتهم النفسية أقرانهم من البيئات المحرومة. بينما نجد فئة أخرى تنجب بدافع المتعة العابرة، أو نتيجة خطأ ظناً منهم أن الأمر مجرد غريزة لا تحتاج إلى وعي أو مسؤولية. وهنا تحدث المأساة: أطفالٌ يعانون من الاكتئاب والاضطرابات النفسية، يحملون جراحاً لا تندمل، ويرثون عن آبائهم نمط التفكير السلبي نفسه، لتنشأ بعد ذلك أجيالٌ كاملة تدفع ثمن أخطاء لم يرتكبوها، ثم يدركون في النهاية أن الدائرة المفرغة من المعاناة لن تنكسر إلا إذا بدأوا بأنفسهم
فالسؤال الذي يفرض نفسه هنا: هل نترك غير المؤهلين للتربية أحراراً في إنجاب أطفالٍ يعانون، فينتج لنا مجتمعٌ مليء بالأمراض النفسية والمآسي الإنسانية؟ أم نتجرأ على تقييد حريتهم في الإنجاب حتى لو بدا ذلك قطعاً لأوصال إنسانيتهم؟ أم أن الحل يكمن في البحث عن آليات لتنظيم هذه العملية، من خلال التوعية والدعم، وربما تشريعات تحمي حقوق الطفل المستقبلية؟
لكن ربما تكون المشكلة أعمق من ذلك؛ فالدولة في بعض الأحيان تتحمل جزءاً كبيراً من هذه المسؤولية، عندما تتبع سياسات تُبقي الشعوب غارقة في همومها اليومية، وتشغلها عن قضاياها المصيرية، بينما تنعم النخب الحاكمة بسلطاتها وتُحدث بتخطيط مسبق أزمات مصطنعة تزيد من معاناة المواطن.
أليست ليبيا رغم ثرواتها النفطية تعاني من أزمات وقود متكررة؟ أليست مصر بأعرق حضارة تواجه أزمات في الغاز؟ ألم نصل إلى حدّ الأزمة في السيولة النقدية عبر دول عديدة، حتى أصبحت الحياة اليومية معاناة مستمرة؟
إنها حلقة مفرغة: حرمان منهجي، وتجهيل متعمد، وفساد يضرب أعلى الهرم، لينتج في النهاية مجتمعاتٍ منهكة، تائهة بين احتياجاتها اليومية وحلمها بمستقبلٍ أفضل. فكيف لنا أن نطلب من أبٍ أن يُربّي أطفالاً أسوياء وهو غارق في همّ لقمة العيش؟ وكيف لطفل أن يتعلّق بالحياة وفي عينيه كل هذا اليأس؟
الحل يبدأ بإعادة البناء من الجذور: بوعي مجتمعي، وبمسؤولية دولة حقيقية، وبخطوات عملية تضع الإنسان قبل أي شيء في قلب أولوياتها.



انا صراحة لا افهم لماذا ننجب الاطفال سيقول الكثيرون لنكاثر ارى ان التكاثر ليس سببا فعندم ننجب نحن ننجب احلام ننجب حياة ننجب شخص له مميزات و رغبات و هوايات هل نحن نحب الحياة لنلدهم ليعيشوا فيها ارى انها انانية ان الد
طبعا احترم اراءكم و لكن لا استطيع تقبل الفكرة عندما افكر فيها ارى ان كنت احب اطفالي لن انجبهم لهذا العالم
بصراحة، لا أرى الإنجاب فعلًا إيجابيًا في ذاته، بل هو أمر محايد لا يكتسب قيمته إلا بالسياق. فتكاثر البكتيريا الممرِضة، مثلًا، لا يمكن أن يُعَدّ حدثًا يُحتفى به. وعلى المنوال نفسه، فإن جلبَ إنسانٍ جديد إلى الحياة ليرث أمراضك وبؤسك لا يُعدّ بطولة، بل هو – كما قلتَ – أقرب إلى الجريمة منه إلى الفعل المسؤول.
وعلى الجانب الآخر، من يملكون التربة الخصبة، والظروف الملائمة، والمعرفة الكافية لبناء الطفل وصناعة تربيته، يستطيعون – إن شاؤوا – إنجابَ فريق كرة قدم كامل. فهؤلاء يدركون كيف يُسيّرون الكيانات التي أوجدوها، ويصنعون منها رموزًا يُحتفى بها، لا عالةً تُثقِل المجتمع.
غير أنّ المشكلة الحقيقية تكمن في أنّ الفئة الأولى هي التي تتكاثر بالوتيرة الأعلى، مما يجعل الدائرة تدور في الاتجاه الخطأ دائمًا.
وإن كانت هذه الإشكالية تتعدى المسؤولية الفردية إذ تخضع لجرائم جغرافية، اقتصادية، ثقافية وأخرى اجتماعية، لكنني أرى أنه دائما توجد مساحة —وإن كانت ضيقة أو غير مرئيةو غير موزعة بعدل— للاختيار.