لماذا العلوم الزائفة وبعض المعتقدات الدينية وغير الدينية لا تصل ولا ترتقي إلى درجة المعرفة أو العلم؟
لماذا لا نعتبر لها قيمة معرفية تحت بند “من الممكن أن يأتي يوم وتثبت أنها صحيحة”؟
لإجابة كل ما سبق يجب أن نعرف ما هي المعرفة ومتى نقول عن ادعاء ما أنه معرفة.
عند الحديث عن المعرفة وتحليل المعرفة لابد من التفريق بين المعرفة والاعتقاد، فأن تكون تعرف الشيء هو شيءٌ مختلف كثيرًا عن أن تكون تعتقد به، فالاعتقاد أو الإيمان هو القبول بالشيء أو بوجوده أو بصحته من دون دليل بينما معرفة الشيء فهي تعتمد على وجود دليل عليه أي تتضمن الإيمان وتضيف عليه شروطًا أخرى..
وللمعرفة المتعلقة بالتحليل والقدرات الفكرية أقسام متعددة أذكر منها:
معرفة الشيء كمعرفة شخصية أو ما يسمى بالمعرفة الشخصية (معرفة من/ماذا): كأن أعرف أنا من هو أخي أو صديقي أو أن أعرف بيتي.
معرفة كيفية القيام بالشيء أو المعرفة الكيفية (معرفة كيف).
معرفة الشيء وهي ما يسمى بالمعرفة الوصفية أو الافتراضية (المعرفة الاقترانية، معرفة أن).
وغيرها من الأسئلة.. فالمعرفة بشكل عام هي الإجابة على أحد أو مجموعة من الأسئلة الستة أو ما يسمى
“من، ماذا، لماذا، أين، متى، كيف”
وعادة ما تحتاج المعرفة ترابط جواب أكثر من سؤال من هذه المسألة لتصبح معرفة.. وموضوعنا اليوم هو المعرفة الوصفية أو الافتراضية.
للمعرفة الوصفية صفات، فالمعرفة المطلقة كغيرها من القيم المطلقة هي شيء خيالي غير موجود فالمعرفة الوصفية محدودة بالشروط المحيطة بها ولا يمكن لأحدٍ ادعاء معرفته المطلقة بادعاء معين وأن إجابته كاملة ومطلقة ولن يضاف عليها أي شيء أو تسقط لاحقًا لكن يمكن الحكم على مدى صحتها النسبية بكثير من العوامل وأهمها الدليل.
ولأن المعرفة الوصفية نسبية كان لابد من تحديد أقسامها.. وإحدى طرق تحليل المعرفة هي طريقة تحليل المعرفة التقليدية أو ما يسمى بطريقة المكونات الثلاث، وفيها أن المعرفة مكونة من ثلاث مكونات أو شروط يجب أن تتوفر ثلاثتها حتى نستطيع أن نطلق على ادعاء شخص ما بمعرفة شيء ما أنه “معرفة” وأنه يملك “معرفة” وهذه الشروط هي: شرط الحقيقة + شرط الاعتقاد + شرط التبرير والدليل.. أو ما يسمى بتحليل “التبرير والحقيقة والاعتقاد”.
فحتى يُقال إن ادعاء ما أنه معرفة يجب أن يكون اعتقادًا حقيقيًا ومبررًا بدليل أي يحقق القاعدة الثلاثية السابقة “التبرير والحقيقة والاعتقاد” وهو اعتقاد حقيقي مبرر..
يعني عندما نقول إن (س من الأشخاص يعرف ص) فحتى نعتبر أن س يعرف ص معرفة وليس اعتقاد أو مجرد ادعاء يجب أن تتحقق ثلاثة شروط (على الأقل لأن لآلية التحليل هذه تفرعات أخرى، قد أحكي عنها لاحقًا) وهذه الشروط هي:
ص حقيقي/صحيح (شرط الحقيقة)
س يعتقد بصحة وحقيقة ص (شرط الاعتقاد)
س لديه ما يبرر اعتقاده بصحة وحقيقة ص (شرط التبرير)
أي أن أي ادعاء يمكن أن يندرج تحت إحدى الصفات الآتية:
اعتقاد حقيقي مبرر (التبرير + الحقيقة + الاعتقاد) (وهذا ما يطلق عليه بأنه معرفة).
اعتقاد حقيقي غير مبرر (الحقيقة + الاعتقاد).
اعتقاد غير حقيقي/خاطئ مبرر (التبرير + الاعتقاد).
اعتقاد غير حقيقي/خاطئ غير مبرر (الاعتقاد).
شرط الحقيقة (الشرط اللازم):
من المثير أنه من غير الممكن “معرفة” شيء ليس حقيقي بل يمكن فقط “الاعتقاد به”.. فمثلًا إذا كان صديقك لم يغادر بلدك أبدًا وهذه “حقيقة” فمن غير الممكن أن “تعرف” أن صديقك غادر بلدك بل يمكنك فقط أن “تعتقد” هذا، وهذا يعني أنه حتى تدعي أنك تملك “المعرفة” يجب أن يكون ادعاؤك “حقيقيًا” أولًا.. إذًا فمجرد إثبات أن شيء ما “غير حقيقي” هو كافي لإلغاء كون الشيء “معرفة” ولكن العكس غير صحيح فكون الشيء “حقيقي” لا يجعله بالضرورة معرفة كأن يكون صديقك مسافر خارج بلدك وأنت “لا تعرف ذلك” وسألك أحدٌ ما هل فلان سافر فقلت له “نعم أعتقد أنه سافر”، كلامك هنا حقيقي وصحيح ولكن ليس عن معرفة فهو حقق الشرط الأول فقط وهو شرط الحقيقة، ولكنه اعتقاد حقيقي غير مبرر (الحقيقة + الاعتقاد)..
شرط الاعتقاد (الشرط الرخيص):
تزداد الإثارة في هذا الشرط كونه أكثر تعقيدًا من الشرط الذي قبله فـ”الاعتقاد” شرط ضروري من شروط “المعرفة” ولا يمكن أن تعرف شيء لا تعتقد فيه و”المعرفة” مرحلة متقدمة على “الاعتقاد”.. مع ذلك فإنه من العادي جدًا أن “تعتقد” شيئًا لا “تعرفه” وفي هذه الحالة يكون الموضوع “اعتقاد” لا “معرفة” أي يمكن أن يكون اعتقاد حقيقي غير مبرر (الحقيقة + الاعتقاد) أو اعتقاد غير حقيقي/خاطئ مبرر (التبرير + الاعتقاد) أو اعتقاد غير حقيقي/خاطئ غير مبرر (الاعتقاد).. لكن هنالك حالات (عادة ما تكون حالات فاجعة أو حالات نفسية قاهرة) يقوم الدماغ بكسر شرط الثلاثية المعرفية لحماية الإنسان من قسوة هذه المعرفة (فالمعرفة بالنهاية هي حالة فكرية دماغية) وفي هذه الحالات نجد الإنسان “لا يعتقد” بشيء هو في الحقيقة “يعرفه” أو ما بتسمية أخرى “لا يصدق” شيئًا “يعرفه” أي هي معرفة دون اعتقاد وهذه الحالة تسمى “النكران” كأن ترجع فتجد بيتك محترقًا أنت تراه محترقًا وتعرف أنه محترف لكنك لا تصدق.. أو كإحدى مراحل الانفصال العاطفي عندما يكون الإنسان يعرف أن الموضوع انتهى لكن لا يصدقه، وهنا يجب التفريق بين “لا يصدقه” و”لا يقبله” فعدم تصديق أو اعتقاد ما نعرفه هو إنكار أما عدم القبول بشيء نعتقده ونعرفه فهو الرفض والعناد... وأسميت شرط الاعتقاد بالشرط الرخيص لأنه أسهل الشروط ولا يحتاج من صاحبه أي دليل أو بحث.
شرط التبرير (الشرط الفاصل):
وهو ببساطة أن تكون قادرًا على تبرير ما تعتقده تبريرًا صحيحًا وكاملًا.. وهنا يوجد عدة حالات أهمها الحالتين الآتيتين:
المعرفة الشخصية: وهي أن تكون المعرفة خاصة بك ولست تقدمها على أنها معرفة للآخرين، وعندها قد يكون أي نوع من التبريرات كافيًا لك لتعتبره صحيحًا ومقنعًا ويشعرك أن الشروط الثلاثة تحققت حتى لو لم يكن كذلك.. لذلك العديد من الأشخاص حين يفكرون بينهم وبين نفسهم سيعتقدون أن ما يؤمنون به من معتقدات وأفكار تحقق الشروط الثلاثة فبالنسبة لهم هي حقيقية ويعتقدون بها وهنالك تبريرٌ لها.. ومن هنا تأتي أهمية فكرة أن ما تظنه حقيقة مبررة ومعرفة هو شيء لا قيمة له إن لم يكن كذلك بالمقاييس غير الشخصية (الموضوعية) وهنا تأتي الحالة الثانية...
المعرفة غير الشخصية (الموضوعية): وفيها لا يكفي أن يكون الاعتقاد حقيقيًا ومبررًا بالنسبة لك بل أن يكون كذلك بالنسبة للجميع وهذا لا يعني أن يقتنع به الجميع بل أن يكون حقيقيًا ومبررًا بدليل منطقي أو علمي بقواعد منطقية أو علمية هي الأصح بالمقياس الحالي.
أمثلة بسيطة عما سبق:
اعتقاد حقيقي مبرر (التبرير + الحقيقة + الاعتقاد) (وهذا ما يطلق عليه بأنه معرفة):
ادعاؤك أن صديقك سافر من بلدك وأنك تعتقد هذا وأن لديك أدلة كرقم هاتفه هناك أو صوره على فيسبوك وغيرها ومن ثم تبين أنه مسافر.. هنا أنت تعتقد اعتقادًا حقيقيًا مبررًا...
اعتقاد حقيقي غير مبرر (الحقيقة + الاعتقاد):
ادعاؤك أنك تعتقد بأن صديقك سافر من بلدك رغم أنك لا تعلم بهذا ولم تسمع به ومن ثم تبين أنه مسافر... هنا أنت تعتقد اعتقادًا غير مبررٍ ولكنه صحيح وحقيقي...
اعتقاد غير حقيقي/خاطئ مبرر (التبرير + الاعتقاد):
ادعاؤك أنك تعتقد بأن صديقك سافر من بلدك ولديك أدلة كصوره على فيسبوك وصوره في المطار وغيرها ولكن هو غير مسافر بل ببساطة أخبرك بذلك وصمم صورًا على برنامج تحرير الصور.. هنا أنت تعتقد اعتقادًا مبررًا لكنه غير حقيقي أو صحيح...
اعتقاد غير حقيقي/خاطئ غير مبرر (الاعتقاد):
ادعاؤك أن تعتقد بأن صديقك سافر من بلدك ولكن ليس لديك أي دليل ومن ثم تبين أنه غير مسافر.. هنا أنت تعتقد اعتقادًا غير حقيقي وغير مبررٍ...
فهم هذه الآلية في تحليل المعرفة (وهي الآلية البسيطة حيث أن لها تفرعات عديدة لتشمل حالات مختلفة) يفسر لنا العديد من التساؤلات، منها:
- لماذا بعض ما كان يعتبر سابقًا أنه معرفة أصبح الآن يعتبر مجرد اعتقاد ولماذا بعض ما يعتبر الآن معرفة قد يعتبر لاحقًا مجرد اعتقاد؟ الجواب هو أن مقاييس وآليات وأدلة إثبات أن هذا الاعتقاد حقيقي ومبرر تتطور وبالتالي آلية تقييم المعرفة تتطور ومع الوقت فإن ما يحافظ على حقيقيته وتبريره حسب المعايير الأرقى يبقى معرفة وما يثبت عدم حقيقيته أو تبريره يسقط من مرتبة المعرفة إلى مرتبة الاعتقاد...
- هل العلوم الزائفة من علوم طاقة وتنمية وبرمجة لغوية وغيرها معرفة أو علم؟
طبعًا لا فهي تحقق شرط الاعتقاد عند البعض لكن لا تحقق شرطي الحقيقة والتبرير حسب معايير المعرفة والعلم الحاليين لذا فهي تبقى مجرد اعتقاد غير حقيقي/خاطئ غير مبرر أي تحقق شرط واحد، حتى يثبت أنها حقيقية أولًا وعندها تتحول إلى اعتقاد حقيقي غير مبرر (الحقيقة + الاعتقاد) وعندها تكون قد حققت شرطين؛ ومن ثم يجب تقديم شرح لها وتبرير علمي فتحقق الشروط الثلاث وتتحول إلى معرفة وعلم (اعتقاد حقيقي مبرر (التبرير + الحقيقة + الاعتقاد).. ومن عليه تقديم الأدلة على أنها حقيقية أولًا ومبررة ومثبتة ثانيًا هو من يدعي وجودها وليس من يقول بعدم حقيقيتها فعبء الإثبات على المدعي.
- هل المعتقدات الدينية معرفة أو علم؟
طبعًا لا فهي مجرد اعتقاد فقط لا غير وينطبق على حالتها ما قلته في حالة العلوم الزائفة فهي تحقق شرط الاعتقاد فقط دون تحقيق شرط الحقيقة والتبرير والثبوت...
لذا فعندما نقول عن بعض الأديان أنها مجرد اعتقاد وعن العلوم الزائفة أنها زائفة ومجرد اعتقاد فالسبب وبكل بساطة هو أن لم تقدم أي شيء لتحقيق الشرطين (التبرير + الحقيقة).. لذلك فالطريق أمامكم طوييييييل قبل أن تدعوا بأن ما تطرحونه هو معرفة لأنه ببساطة لا يحقق سوى شرط الاعتقاد وهو أرخص وأسهل هذه الشروط.



اهلا بمن عاد بعد غياب ✨️
سررت بعودتك سامي