مغالطة السبب الزائف،(أخذ ما ليس بعلةٍ علةً)
نميل بطبيعتنا إلى البحث عن سبب لكل ما يحدث، لكننا كثيرًا ما نقع في فخ خطير فنخلط بين ما يتزامن مع الشيء وما يسبّبه فعلًا، هنا تتجلى مغالطة السبب الزائف، حين تتحول المصادفة إلى تفسير، والارتباط إلى يقين زائف.
مغالطة السبب الزائف، أو (أخذ ما ليس بعلةٍ علةً)
تُعرّف بأنها الخطأ الذي يقع فيه العقل حين يظن أنه فهم سبب حدوث شيء ما، بينما هو في الحقيقة لم يفعل سوى الربط السطحي بين أحداث متجاورة في الزمان أو المكان. فالأحداث في الواقع تتتابع وتتعاقب باستمرار، لكنها لا تحمل بالضرورة علاقة سببية فيما بينها، حتى لو بدت متقاربة أو متزامنة.
ولأن الإنسان يميل بطبيعته إلى البحث عن الأسباب، لأن فهم (لماذا يحدث الشيء) يمنحه شعورًا بالطمأنينة والسيطرة، ومن هنا نشأ العلم بنسختيه الصحيحة والزائفة ومن هنا أيضًا يطرح العقل أسئلة لا تنتهي عن أسباب المرض، والكوارث، والحروب، والظواهر الطبيعية، والأزمات الاقتصادية. العقل البشري مولع بتكوين الأنماط فهو يربط بين الوقائع ويصل النقاط المتفرقة ويملأ الفراغات ليخرج بصورة ذات معنى. وعندما يعجز عن رؤية نمط واضح يشعر بالقلق والارتباك، لأن القدرة على التنبؤ تمنحه إحساسًا بالأمان.
ومع تكرار الأحداث أمام الإدراك الإنساني، يبدأ العقل بملاحظة أن بعض الظواهر تتصاحب أو تتعاقب بانتظام، فيستخلص من ذلك علاقات ارتباط، ثم لا يلبث هذا الارتباط أن يتحول في ذهنه إلى علاقة سببية. فإذا وقع حدثان معًا ظن أن أحدهما سبب الآخر، وإذا جاء حدث بعد آخر افترض أن السابق هو العلة.
هذا الميل في حد ذاته ليس خطأ، بل هو أساس مهم في العمل العلمي، إذ يقوم البحث العلمي في جزء كبير منه على رصد الارتباطات التجريبية ومحاولة تفسيرها بقوانين عامة. لكن الخطأ يبدأ عندما يُختصر الطريق ويُتعامل مع الارتباط وحده على أنه دليل كافٍ على السببية.
المعية تعني وقوع حدثين معًا في الزمان أو المكان، أو تكرار ظهورهما متلازمين.مغالطة السبب الزائف تظهر تحديدًا حين يخلط العقل بين مجرد التلازم أو المعية وبين العلاقة السببية الحقيقية، فيفترض أن وقوع حدثين معًا يعني أن أحدهما سبب الآخر، دون تقديم أي دليل إضافي. بينما إثبات السببية يتطلب شروطًا أكثر صرامة، مثل:
التكرار المنتظم،
وغياب الحالات المخالفة،
والتأكد من أن العلاقة تعمل في الاتجاه نفسه دائمًا.
فمجرد التزامن قد يكون ناتجًا عن الصدفة البحتة أو عن وجود سبب ثالث خفي يقف وراء الحدثين معًا، أو حتى عن انعكاس العلاقة، بحيث يكون ما نعتقده نتيجة هو في الحقيقة السبب.
ويظهر الخلط بين السببية والمصادفة بوضوح عندما يلاحظ الناس تزامن حدثين، فيسارعون إلى افتراض أن أحدهما سبب الآخر، مع أن العلاقة قد تكون مجرد تلاقٍ عابر بلا أي معنى سببي. فقد كُشفت، على سبيل المثال، ارتباطات إحصائية شبه تامة بين معدل الوفيات في مدينة حيدر أباد بالهند خلال فترة معينة وبين تغيّرات في عضوية رابطة دولية لعلماء الميكانيكا في الفترة نفسها. ورغم دقة الأرقام، لا يمكن لعقل سليم أن يرى في هذه الواقعة أكثر من مصادفة محضة، إذ لا يوجد أي رابط منطقي أو واقعي يبرر تحويل هذا التزامن الغريب إلى علاقة سببية.
والأمر لا يختلف كثيرًا في أمثلة أخرى لا تقل غرابة، مثل العثور على ارتباط إحصائي وثيق بين حجم تمويل الفنون في بريطانيا وأعداد طيور البطريق في القطب الجنوبي. فالتزامن هنا قد يكون حقيقياً من الناحية الرقمية، لكنه يظل فارغًا من أي معنى تفسيري، لأن لا علاقة سببية معقولة يمكن تصورها بين الظاهرتين. وينطبق الشيء نفسه على الارتباط الملحوظ في بعض مناطق أوروبا بين أعداد طيور اللقلق ومعدلات المواليد، إذ سيكون من الخطأ الفادح الاستنتاج اعتمادًا على هذا الارتباط وحده، أن وجود اللقلق هو سبب ولادة الأطفال.
ويأخذ الخلط بين المعية والسببية شكلًا آخر حين يُغفل وجود سببٍ مشترك يقف خلف الحدثين معًا. ففي هذه الحالة لا يكون أحد الحدثين سببًا للآخر، بل يكون كلاهما نتيجة لعامل ثالث خفي. يُعرف هذا النمط باسم (المعلول المزدوج)، حيث يتوهم العقل وجود علاقة مباشرة بين ظاهرتين، بينما الحقيقة أن كلتيهما نتاج سبب أعم وأشمل. تجاهل هذا السبب المشترك يؤدي إلى تفسير مضلل، ويجعل العلاقة السببية تبدو وكأنها قائمة بين حدثين متجاورين، في حين أنها في الواقع تمر عبر مسار ثالث لم يُنتبه إليه.
بهذه الأمثلة يتضح أن مجرد التزامن أو الارتباط، مهما بدا قويًا أو لافتًا، لا يكفي لبناء تفسير سببي سليم. فالعقل النقدي لا يكتفي بملاحظة المعية، بل يبحث دائمًا عمّا إذا كانت العلاقة حقيقية أم مصادفة، أم نتاجًا لسبب خفي لم يُؤخذ في الحسبان.
أمثلة
١. قبيل اندلاع الحروب يتزايد معدل التسليح لدى الأطراف المتصارعة؛ إذن زيادة التسليح تؤدي إلى اندلاع الحروب. (ربما يكون الصواب أن التوتر والخلاف بين الأمم يفضي إلى كل من التسلح والحرب.)
٢. الحمى (ارتفاع الحرارة) تؤدي إلى الطفح الجلدي. (قد يكون فيروس الحصبة هو السبب من وراء كلٍّ من الحمى والطفح الجلدي.)
٣. وُجد ارتباطٌ قويٌّ بين معدلات بيع الأيس كريم وبين معدلات الجريمة؛ إذن تناول الأيس كريم يؤدي إلى ارتكاب الجرائم! (الصواب أن ارتفاع حرارة الجو هو السبب في ارتفاع معدلات الجريمة (بما يُفضي إليه من توتر قلق) وفي ارتفاع مبيعات الأيس كريم.)
٤. كلَّما كبر مقاس حذاء الطفل كان خطُّه أفضل! إذن كبر حجم القدم يُسهِّل عملية الكتابة! (الصواب أن النمو المتصل للطفل يؤدي إلى كلٍّ من زيادة حجم القدم ونمو القدرات المدرسية جميعًا بما فيها خط اليد.)
٥. ثمة انخفاض ملحوظ في البارومتر أثناء هبوب عاصفة؛ إذن العاصفة سببت انخفاض البارومتر. (الصواب أن انخفاض الضغط الجوي هو سبب كل من العاصفة وانخفاض البارومتر.)
٦. كشفت التحليلات وجود بكتريا معينة بكمية كبيرة لدى أحد المرضى، فاستنتج الطبيب أن البكتريا هي سبب المرض، ثم تبيَّن أن البكتريا غير ذات خطر وأن هناك فيروسًا هو سبب كلِّ من المرض ونمو البكتريا الانتهازية التي تكاثرت نتيجة ضعف المريض.
٧. في بعض الولايات الأمريكية وُجد أن معدلات الإدمان تتزايد مع زيادة الفقر؛ إذن الفقر يؤدي إلى الإدمان. (الصواب أن التمييز العنصري في هذه الولايات كان يُفضي إلى الإحباط والتراخي فيؤدي إلى كلٍّ من الفقر والإدمان معًا.)
مثل هذه الطريقة التبسيطية في التفكير لن تؤدي إلا إلى حلول تبسيطية، ولن تؤدي الحلول التبسيطية إلا إلى الفشل وإهدار الوقت والجهد، ما دام (السبب المشترك) يَقْبَع هناك آمناً من الملاحظة والرصد، وبالتالي من التناول والعلاج.
- الاتجاه الخطأ (للعلاقة السببية) wrong direction
تظهر مغالطة (الاتجاه الخطأ) عندما يلاحظ العقل وجود علاقة بين حدثين، فيعكس اتجاهها دون تمحيص، فيجعل النتيجة سببًا، والسبب نتيجة. هنا لا يكون الخطأ في ملاحظة الارتباط نفسه، بل في سوء تفسير من يؤثر في من، وكأن العلاقة تسير في اتجاه واحد واضح، بينما الواقع يسير في الاتجاه المعاكس.
من الأمثلة الشائعة على ذلك القول إن انتشار مرض الإيدز ناتج عن زيادة الثقافة الجنسية. هذا الاستنتاج يبدو للوهلة الأولى معقولًا لمن يلاحظ تزامن الظاهرتين، لكنه يقلب العلاقة رأساً على عقب. فالأقرب إلى الواقع أن انتشار المرض هو الذي دفع المجتمعات إلى زيادة التوعية والثقافة الجنسية، خوفًا من العدوى ومحاولة للوقاية، لا أن التوعية هي التي تسببت في انتشار المرض.
ومثال آخر يظهر في الربط بين ارتفاع معدلات الأمراض الفصامية وبين الطبقات الاجتماعية الدنيا، حيث يُستنتج خطأً أن الانتماء إلى طبقة اجتماعية متدنية يؤدي إلى الإصابة بالفصام. لكن التحليل الأدق يشير إلى العكس، فالإصابة بمرض عقلي مزمن غالبًا ما تؤدي إلى تراجع الأداء الدراسي والمهني والاجتماعي، ومع الوقت ينزلق المريض إلى طبقة اجتماعية أدنى. هذه العملية المعروفة في علم الاجتماع والطب النفسي بظاهرة (الانجراف الاجتماعي) توضّح كيف يكون المرض سببًا في التدهور الطبقي، لا نتيجة له.
ويظهر الاتجاه الخاطئ أيضًا في النقاشات المتعلقة بالسلاح والجريمة، إذ يُقال إن ارتفاع معدلات امتلاك السلاح في بعض المناطق يؤدي إلى زيادة الجرائم. غير أن تفسيرًا بديلًا، وأكثر اتساقًا مع الواقع، هو أن انتشار الجرائم أصلًا يثير خوف المواطنين، فيسعون إلى اقتناء السلاح بدافع الحماية والاحتياط. مرة أخرى، لا يكون امتلاك السلاح هو الشرارة الأولى، بل استجابة لواقع أمني متدهور.
- بعد هذا إذن بسبب هذا (المغالطة البَعدِية/بِعَقِبِه إذن بسببه)
يقوم هذا الخطأ على فكرة بسيطة، مفادها أن الحدث الذي يأتي لاحقًا لا بد أن يكون قد حدث بسبب الحدث الذي سبقه. ولتوضيحها تُروى حكاية الديك الذي أخذته نشوة الغرور، فتوهم أن صياحه هو الذي يُخرج الفجر من مخبئه. فهو يصيح كل يوم قبل الشروق، ثم تشرق الشمس فعلًا، فاستنتج في عقله المحدود أن صياحه هو السبب، وأن بوسعه إن توقف عن الصياح أن يمنع الصباح من القدوم. لكن المفارقة أن الديك انتهى وجبةً لشقيٍّ عابر، بينما استمر الفجر في الطلوع كعادته، غير عابئ بصياح الديك أو غيابه.
هذا النمط من التفكير هو جوهر المغالطة البَعدِية، إذ يفترض أن مجرد تعاقب حدثين يعني أن الأول سبب الثاني. صحيح أن النتائج تأتي زمنيًا بعد أسبابها، لكن هذا وحده لا يكفي لإثبات العلاقة السببية. فالتعاقب الزمني شرط لازم للسببية، لكنه ليس شرطًا كافيًا. ليس كل ما يأتي بعد شيء يكون قد نتج عنه، وإلا لتحولت الحياة كلها إلى شبكة من الأسباب الوهمية.
إثبات أن حدثًا ما هو سبب لحدث آخر يتطلب أكثر بكثير من مجرد كونهما متعاقبين في الزمن. يتطلب تكرار العلاقة بانتظام، بحيث لا تظهر النتيجة إلا بوجود السبب، وتغيب بغيابه، مع استبعاد أي عوامل أخرى قد تفسر الحدثين معًا. هذه الشروط هي ما يحاول العلم تحقيقه عبر التجربة والملاحظة والإحصاء، لا عبر الانطباعات السريعة.
أما الاكتفاء بالقول إن “هذا حدث أولًا، ثم حدث ذاك، إذن هذا سببه”، فهو تفكير سطحي شديد التبسيط، وهو الأساس الذي تقوم عليه الخرافة والتفسير السحري، وحكايات الجدّات، والوصفات الشعبية، وكثير من الأوهام المتداولة في الأحاديث اليومية.
إذا تخلّينا عن الفهم اليومي البسيط للعلة والمعلول، ونظرنا إلى المسألة بقدر من التأمل والدقة، سنكتشف أمرًا مقلقًا بعض الشيء: نحن في الواقع لا نرى” السببية” ذاتها، بل نرى فقط تتابعات وانتظامات في وقوع الأحداث. كل ما يحدث أمامنا هو أن شيئًا يقع، ثم يعقبه شيء آخر، فنعتاد هذا التعاقب ونحوّله في أذهاننا إلى علاقة سببية. تقترب يد من اللهب فتشعر بالألم، فيترسخ في أذهاننا أن اللهب هو السبب والألم هو النتيجة، لا لأننا نرى رابطة خفية حتمية بينهما، بل لأننا نتوقع الألم كلما تكرر الاقتراب. أما الآلية الحقيقية التي تربط الحدثين فنحن لا نشاهدها مباشرة، بل نملأ فراغها بتفسيرات نفترضها افتراضًا. هذه الفجوة المعرفية، حيث لا نرى إلا التتابع ولا نرى السبب ذاته، هي البيئة المثالية التي تزدهر فيها المغالطات.
ولهذا السبب لم يكن غريبًا أن يفسر مؤرخو الإغريق الكوارث الطبيعية بوصفها عقابًا على أفعال البشر. فإذا دمّر زلزال مدينةً بأكملها، يبدأ المؤرخ في استعراض ما فعله أهلها قبل الكارثة، ثم يخلص إلى أن مذبحة أو خطيئة سابقة كانت سبب الزلزال. هنا لا يوجد تفسير علمي، بل محاولة لسد فجوة الجهل بتسلسل زمني بسيط: حدث شيء سيئ، وقبله فعل سيئ، إذن هذا سببه ذاك.
هذا النمط من التفكير تناوله عالم الاجتماع الأمريكي “جراهام سمنر” حين تحدث عن (العادات الشعبية) أو الطرق السائدة في التفكير داخل المجتمعات. يرى سمنر أن كثيرًا من الأحكام الأخلاقية والمعتقدات لا تقوم على عقل أو تحليل، بل على عادات نشأت بالصدفة أو على أساس معرفة خاطئة، ثم استمرت لأنها انسجمت مع مزاج المجتمع في زمن معين. هذه العادات تتكوّن وتنتشر وتضمحل كما لو كانت كائنات حية، وغالباً لا تتأثر بالنقد العقلي إلا نادرا.
ومن الأمثلة التي أوردها “سمنر” أن انتشار الطاعون في إحدى المناطق الإفريقية بعد وفاة رجل أوروبي جعل السكان يعتقدون أن موت أي رجل أبيض سيجلب الوباء، فصاروا يتجنبون ذلك بأي ثمن. وفي جزر أخرى، تخلّى الناس عن صناعة الخزف تمامًا لأن بعض من مارسوها ماتوا مصادفة، فاستنتجوا أن الحرفة نفسها قاتلة. وفي واقعة أخرى، نُسب موت رجل وابنه إلى عصا ورثاها، فخاف الناس منها وأعادوها إلى أصحابها. بل إن ظهور مرض الجدري بعد مشاهدة جمل لأول مرة جعل بعض الشعوب تعتقد أن الجمل هو سبب المرض. في جميع هذه الحالات يتكرر المنطق نفسه: حدث شيء بعد شيء، إذن الثاني سببه الأول.
قد يبدو هذا التفكير بدائيًا، لكنه في الحقيقة لم يختفِ من عالمنا الحديث. ما زال كثيرون يفسرون الكوارث الطبيعية بتفسيرات أخلاقية أو سياسية، فيُقال إن زلزالًا أو تسونامي هو نتيجة لذنوب البشر، أو إن إعصارًا سببه سياسات دولة ما، رغم أن التفسير العلمي واضح ومتوفر. لكن ما دامت هناك فجوات في المعرفة، سيظل من السهل على الإنسان أن يملأها بالتفسير الذي ينسجم مع ميوله ومعتقداته.
وعلى هذا النوع من التفكير تقوم صناعات كاملة، مثل العرافة والتنجيم والشعوذة والعلاج الشعبي. يخبرك العرّاف بأمر سار، ثم يحدث لك أمر سار لأن الأمور السارة تحدث أصلًا في حياة الناس. وينذرك المنجّم بسوء، ثم تقع لك متاعب لأن المتاعب جزء طبيعي من الحياة. ويعطيك المشعوذ وصفة، فتُشفى لأن أغلب الأمراض تتحسن تلقائيًا مع الوقت. يتذكر الناس الحالات القليلة التي «نجحت»، ويتناقلونها بإعجاب، بينما تُنسى الحالات الكثيرة التي فشلت، وكأنها لم تكن.
تُسمَّى هذه الظاهرة في العلم باسم:
مشكلة درج السِّجلات (أو درج الملفات) file drawer problem
وهي مشكلة تنجم حين يحاول العلماء تحديد ما إذا كانت نتيجة ما هي حقيقية أم زائفة بناءً على التراث البحثي المنشور، تأتي المشكلة عندما تكون هذه النتيجة هزيلة (أو غير موجودة) ولا تحدث إلا مصادفةً، ومِن ثَمَّ فإن من يقع عليها من الباحثين يُسَجِّلها وينشرها، مصحوبةً بالهتاف والتهليل، أما الباحثون الذين لم يقعوا على هذه النتيجة قَطُّ فإنهم لا ينشرون أبحاثهم عادةً وإنما يلقون بها في أدراج السجلات، هكذا تبدو الظاهرةُ الزائفة حقيقةً علمية، لا لشيء إلا لأن الأبحاث العديدة المكذِّبة لها قد طويت في الأدراج، بينما نُشرت الأبحاث القليلة الشاذة التي تؤيد الظاهرة، فكانت لافتةً للأنظار بصخبها وبريقها.
أمثلة أخرى /
١. لَبِستُ هذا القميص اليوم وذهبت إلى الامتحان فأجبت عن جميع الأسئلة بإجادة تامة، إذن هذا القميص فألٌ حسن ولسوف أرتديه في كل الامتحانات القادمة. (غني عن البيان أنني أجَدْتُ في الامتحان لأني كنت مستعدًّا له استعدادًا طيبًا بالمذاكرة والدرس، وليس لأنني لبست هذا القميص أو ذاك!)
٢. تَكسِفُ الشمسُ، فيُهرَع أفرادُ القبيلة عن بكرة أبيهم، ويظلون يدقون الطبول بعنف، ثم تبرز الشمس من وراء الحجاب، إذن دق الطبول يسترد الشمس ويُخرجها من كسوفها.
٣. أصيب حسن بصداع شديد، فعجنت له جدته عجينة من الدقيق والخل وزيت السمك وبول الأرنب، لصقها برأسه ونام، فذهب عنه الصداع بعد دقائق. (كثيرًا ما يذهب الصداع تلقائيًّا بذهاب سببه الحقيقي.)
٤. تشوَّشت الصورة في تلفاز سعيد، فخبط بقوة على التلفاز، فانصلحت الصورة، إذن خبط الجهاز هو أيسر طريقة لإصلاح أعطال التلفاز.
٥. عطس منصور في منزله بالقلعة، وبعد ثوانٍ وقع تسونامي المحيط الهندي، إذن عطسة منصور فجَّرت كارثة التسونامي.
يمكن القول في الختام إن مغالطة السبب الزائف تنشأ من نزعة ذهنية استعجالية تبحث عن تفسير مطمئن قبل اكتمال الأدلة، فتربط بين حدثين لمجرد تعاقبهما أو تزامنهما. هذه المغالطة لا تُفسد التفكير النظري فحسب، بل تمتد آثارها إلى العلم والطب والسياسة والحياة اليومية، حيث يُبنى القرار أحيانًا على وهم السببية لا على تحققها. والوعي بهذه المغالطة ليس ترفًا معرفيًّا، بل شرطٌ أساسي للتفكير النقدي، لأنه يذكّرنا بأن العلاقة الزمنية أو الإحصائية لا تكفي لإثبات العلّية، وأن السبيل الوحيد لتجنّب الخداع هو التزام المنهج، والشك المنهجي، والبحث عن الأسباب الحقيقية القابلة للاختبار والتحقق.
حول المقال/





هذي أول مرة اعلق من لمن نزلت السبستاك حرفيًا.
حزينة لأن ماينتشر هالنوع من المقالات كما يجب
مقال في هيئة ورقة بحثية
عمل ممتاز جدا
موفق دائما ان شاء الله