أيها الفقراء
أيها الفقراء…
يا من تملكون الصبر أكثر مما تملكون المال، والكرامة أكثر مما تملكون الطعام.
يا من تسندون ظهوركم إلى جدران رطبة، وتحلمون بأن يأتي الغد أقل قسوة من الأمس.
هل تعرفون ذلك الشعور الذي ينهشكم حين تقفون أمام واجهة متجر، تحدقون في حذاء جديد أو كتاب أو حتى قطعة حلوى، وكأن أيديكم تكاد تلمسه، لكن جيوبكم فارغة إلا من الغبار؟
هل تتذكرون آخر مرة سمعتم فيها بطونكم وهي تئن، بينما تنظرون إلى الساعة وتقولون: “لن أتناول شيئًا الليلة… ربما غدًا”؟
كم مرة حلمتم أن تكونوا أطباء، أو مهندسين، أو محامين، لكن مقاعد الجامعات التي تحلمون بها باهظة الثمن، وكأن العلم خُلق ليكون حكرًا على من وُلدوا في بيوت دافئة مليئة بالكتب؟
كم مرة جلستم في فصول صيف خانق، وحرارة الجدران تلتهم أنفاسكم، بلا مروحة ولا تكييف، بينما على بُعد أمتار فقط هناك من ينام تحت برودة مكيف مركزي لا ينقطع؟
وكم مرة استيقظتم في ليالي الشتاء القاسية على صوت المطر يتساقط من سقف منزلكم، يغرق فراشكم، ولا تملكون سوى أن تزيحوه بوعاء صدئ؟
أي عالم هذا الذي يمنح قصورًا ذات بوابات ذهبية لقلة، ويترك الملايين يعدّون ما تبقى من قروش لشراء الخبز؟
هل أنتم بشر كاملون في نظر هذا العالم، أم أرقام إضافية في تقارير الفقر تُستخدم لتزيين نشرات الأخبار؟
أهو خطأ فيكم لأنكم لم “تجتهدوا كفاية” كما يقال، أم في منظومة تصنع العقبات قبل أن تمنح الفرص؟
أهو قدَر أعمى، أم اختيار صامت فرضه عليكم المجتمع؟
قل لي… هل دموعكم مجرد ماء مالح بلا ثمن، أم صرخات مكتومة لم يسمعها أحد؟
هل يراكم أحد فعلًا، أم أنكم صرتم أشباحًا تمشي في شوارع المدن، لا تُذكر أسماؤها إلا في قصص التعاطف الموسمية؟
أيحبكم الناس حقًا، أم أنكم تعلمتم منذ زمن أن لا تنتظروا حبًّا حتى من أنفسكم؟
ربما ستقولون: “هكذا كانت الدنيا دائمًا”، لكن من قال إن القسوة قدر لا يتغير؟
إن العدل ليس فكرة بعيدة، لكنه اختيار يتطلب شجاعة… شجاعة أن نعترف أن الفقر ليس لعنة من السماء، بل نتيجة لصمت الأرض.
فلا تقولوا إن الفقراء وُلدوا هكذا، ولا تبرروا البؤس بحكايات القدر.
الفقر ليس وصمة على جبين من لا يملكون، بل فضيحة على جبين من يملكون ويسكتون.
وإن كان العالم قد قرر أن يعيش على اتساع الهوة بين قصور المترفين وأكواخ الجائعين، فليعلم أن الجوع لا ينام، وأن الصمت لا يدوم، وأن كل صرخة مكتومة اليوم ستتحول غدًا إلى صوت يزلزل جدران هذا الظلم.
- سامي شو


