تخيّل أنك دخلت إلى غرفة، ووُضعت أمامك أربع بطاقات، ترى على وجوهها الظاهرة الحرف E، والرقم 4، والرقم 7، والحرف K.
ثم قيل لك:
إذا كان على أحد وجهي البطاقة حرفٌ متحرك (مثل A أو E أو I أو O أو U)، فلابد أن يكون على الوجه الآخر عددٌ زوجي.
ويُطلب منك أن تختار بطاقتين فقط لقلبهما حتى تعرف هل هذه القاعدة صحيحة أم لا.
معظم الناس يختارون
E and 4
ويشعرون أن هذا الاختيار بديهي جدًا. لكن المدهش أن هذا الاختيار ليس هو الصحيح.
لفهم السبب علينا أولًا أن نفهم ما الذي يُفترض بنا فعله أصلًا؟!
المطلوب ليس أن نبحث عن أشياء تجعل القاعدة تبدو صحيحة، بل أن نبحث عن أشياء يمكن أن تجعلها خاطئة.
هذه النقطة هي جوهر الموضوع كله.
فعندما تسمع القاعدة:(إذا كان هناك حرف متحرك، فهناك عدد زوجي)، فإن عقلك يبدأ تلقائيًا في البحث عن أمثلة تؤيدها.
تنظر إلى بطاقة
E
وتقول
"نعم، يجب أن أقلبها. فإذا وجدت خلفها عددًا زوجيًا فهذا يؤيد القاعدة."
هذا صحيح جزئيًا، لكنك تنظر بعد ذلك إلى البطاقة 4 وتفكر: "إذا وجدت خلف العدد الزوجي حرفًا متحركًا فهذا أيضًا يؤيد القاعدة."
وهنا يبدأ الخطأ... فـ لنفكر بهدوء.
القاعدة لم تقل:
إذا كان هناك عدد زوجي فلابد أن يكون هناك حرف متحرك.
بل قالت فقط:
إذا كان هناك حرف متحرك فلابد أن يكون هناك عدد زوجي.
وهذا فرق مهم جدًا.
فلو قلبت البطاقة 4 ووجدت خلفها حرف
E
فهذا لا يثبت شيئًا.
ولو قلبتها ووجدت خلفها حرف
K
فهذا أيضًا لا يكذب القاعدة.
في الحالتين لا تتأثر القاعدة أصلًا.
لأن القاعدة لا تتحدث عن كل الأعداد الزوجية، بل تتحدث فقط عن الحروف المتحركة.
أما البطاقة
E
فهي مهمة فعلًا، لأنها تمثل الجزء الأول من القاعدة.
إذا قلبتها ووجدت خلفها عددًا فرديًا مثل 7 فإن القاعدة تنهار فورًا.
لقدت وجدت حالة تقول: حرف متحرك + عدد فردي.
وهذا يناقض القاعدة مباشرة.
إذن قلب
E
ضروري.
لكن لماذا يجب قلب 7؟
هنا تظهر الفكرة التي يفشل معظم الناس في ملاحظتها.
اسأل نفسك:
ما الشيء الوحيد الذي يمكنه قتل القاعدة؟
الجواب: وجود بطاقة فيها حرف متحرك من جهة وعدد فردي من الجهة الأخرى.
إذن عندما ترى الرقم 7 (وهو عدد فردي)، يجب أن تقلق.
وهذا لأنك لا تعرف ما الموجود خلفه.
فإذا قلبت البطاقة ووجدت خلفها الحرف
E،
فقد وجدت المثال القاتل:
حرف متحرك + عدد فردي.
وبذلك تصبح القاعدة خاطئة مباشرة.
أما إذا وجدت خلف 7 حرفًا ساكنًا مثل
K أو B أو T
فلا توجد مشكلة.
إذن البطاقة 7 قادرة على تكذيب القاعدة.
أما البطاقة 4 فلا تستطيع تكذيبها مهما وجدت خلفها.
لهذا فإن الاختيار الصحيح هو:
7 و E
وليس:
4 و E
والسؤال الأهم هنا والتي يتحمور عليه هذا المقال:
لماذا أخطأ معظم الناس؟
السبب هو ما يسمى انحياز التأييد (Confirmation Bias).
ومعناه ببساطة:
عندما نمتلك فكرة أو اعتقادًا أو فرضية، فإننا نميل تلقائيًا إلى البحث عن الأدلة التي تؤيدها، بدلًا من البحث عن الأدلة التي قد تُثبت خطأها.
فالعقل يقول: "أرني شيئًا يجعلني أشعر أنني على صواب."
ولا يقول إلا نادرًا "أرني شيئًا قد يكشف أنني مخطئ."
في تجربة البطاقات هذه كان الناس يبحثون عن أمثلة توافق القاعدة.
لذلك انجذبوا إلى البطاقة 4.
كان تفكيرهم يشبه:
"إذا وجدت خلف 4 حرفًا متحركًا فسيكون ذلك خبرًا جيدًا للقاعدة."
لكن المشكلة أن العثور على مثال مؤيد لا يثبت صحة القاعدة.
لو أخبرتك:
كل الغربان في العالم سوداء ثم خرجت ورأيت غرابًا أسود. هل أثبت هذا أن جميع الغربان سوداء؟
لا.
رؤية غراب أسود واحد أو ألف غراب أسود لا تمنع احتمال وجود غراب أبيض في مكان ما، أما إذا رأيت غرابًا أبيض واحدًا فقط، فقد انتهى الأمر. لقد سقطت القاعدة كلها.
ولهذا السبب يكون المثال المخالف أقوى منطقيًا من آلاف الأمثلة المؤيدة.
انظر أيضًا إلى المثال التالي: هناك سياسي يرى أن إلغاء الضرائب المحلية سوف يؤدي إلى انخفاض معدلات الجريمة؛
فماذا فعل؟
طلب من مساعديه أن يبحثوا عن مدن ألغت الضرائب ثم انخفضت فيها الجريمة، وبالفعل وجدوا مئة مثال.
فشعر السياسي أنه انتصر.
لكن المشكلة أن سؤاله كان منحازًا منذ البداية فقد طلب البحث عن الشواهد المؤيدة فقط، في حين كان يجب أن يسأل أيضًا: هل توجد مدن ألغت الضرائب وارتفعت فيها الجريمة؟ هل توجد مدن لم تلغ الضرائب ومع ذلك انخفضت فيها الجريمة؟ هل توجد عوامل أخرى تفسر الانخفاض؟
ربما لو بحث بإنصاف لوجد مئتي حالة تناقض فكرته، لكنه لم يبحث عنها أصلًا.
وهذا هو انحياز التأييد.
إنه لا يجعلنا نكذب بالضرورة، بل يجعلنا نجمع الأدلة بطريقة انتقائية نرى ما يؤيدنا ونتجاهل ما يعارضنا.
ولهذا السبب يعدّه علماء النفس نوعًا من الانحياز الانتقائي في جمع الأدلة، فنحن لا نفحص الواقع كله، بل ننتقي منه ما يعجبنا. وهذا الانحياز لا يظهر فقط في السياسة أو العلم، بل يظهر في الحياة اليومية باستمرار.
شخص يعتقد أن صديقه يكرهه.
فيبدأ بملاحظة كل موقف سلبي منه، فإذا تأخر في الرد على رسالة اعتبر ذلك دليلًا وإذا بدا مشغولًا اعتبر ذلك دليلًا.
وإذا نسي موعدًا اعتبر ذلك دليلًا.
أما المواقف التي تدل على المحبة أو الاهتمام فيمر عليها مرورًا سريعًا.
في النهاية يشعر أن الأدلة كلها تؤكد اعتقاده.
لكن الحقيقة أن طريقة جمعه للأدلة كانت منحازة منذ البداية.
ولهذا اهتم الفيلسوف الشهير كارل بوبر بهذه المشكلة.
رأى بوبر أن العلماء لو اكتفوا بالبحث عن الأدلة المؤيدة فسوف يستطيعون تأييد عدد هائل من الأفكار الخاطئة.
لذلك اقترح مبدأ مختلفًا تمامًا.
فبدل أن تسأل:
"كيف أثبت أن فكرتي صحيحة؟"
اسأل:
"كيف يمكن أن أثبت أنها خاطئة؟"
إذا نجحت في العثور على مثال يناقضها، فالفكرة تسقط.
أما إذا حاولت مرارًا تكذيبها وفشلت، فإن ثقتك بها تزداد.
لكنها لا تصبح حقيقة مطلقة، بل تصبح أفضل تفسير متاح حاليًا.
خذ مثالًا بسيطًا،
شخص يقول: جميع النباتات تتكاثر جنسيًا.
يمكنه أن يجد مئات النباتات التي تتكاثر جنسيًا، لكن هذا لا يحسم القضية لأن نباتًا واحدًا يتكاثر بطريقة أخرى يكفي لإسقاط التعميم كله.
لذلك كان بوبر يرى أن قوة النظرية لا تأتي من كثرة مؤيديها، بل من قدرتها على الصمود أمام محاولات دحضها.
الفكرة نفسها عبّر عنها قبله بقرون الفيلسوف فرنسيس بيكون.
لاحظ بيكون أن الإنسان عندما يعجبه رأي ما يبدأ في تفسير كل شيء لصالحه.
فالأدلة المؤيدة يراها بوضوح.
أما الأدلة المعارضة فيتجاهلها أو يقلل من أهميتها أو يجد لها أعذارًا.
ولهذا قال إن المثال السلبي — أي المثال الذي يناقض الفكرة — أكثر قيمة من المثال الإيجابي الذي يوافقها.
في النهاية، يمكن تلخيص انحياز التأييد في جملة واحدة:
الإنسان بطبيعته يبحث عما يجعله يشعر أنه محق، بينما التفكير العلمي يحاول عمدًا البحث عما قد يثبت أنه مخطئ.
ولهذا كان الدرس الخفي في بطاقات
E و4 و7 وK
أكبر بكثير من مجرد لغز منطقي؛ فهو يكشف طريقة عمل العقل البشري نفسه. عندما نعتقد شيئًا ما، فإن الخطر الحقيقي ليس في نقص الأدلة المؤيدة، بل في أننا قد نتوقف عن البحث عن الأدلة المخالفة.
دُمتم بخير ♡ سامي شو
يرتكز هذا المقال على ما ورد في كتاب "المغالطات المنطقية" لعادل مصطفى.



قناة التيليجرام خاصتي:
https://t.me/+4rsGnxCl28Y0OTk0
E انا كنت ساختار البطاقة 4 والبطاقة
لأنهما يحملان إمكانية لصحتهما
لان القاعدة تقول اذا كان على احد وجهي البطاقة حرف متحرك فلابد ان يكون الوجه الآخر عدد زوجي
تنفي القاعدة K إذا البطاقة
والبطاقة 7 تنفي القاعدة