الحب عند نيتشه
نزوات جنون عابرة كثيرة… ذلك ما تسمّونه حبّاً ! ثم يأتي الزواج…حماقة دائمة تضع حداً لكل النزوات العابرة
هذا ما قاله نيتشه عن الحب في كتابه (هكذا تكلم زرادشت).
لنيتشه الكثير من النصوص عن الحب وجميعها تُشير بحِدّة إلى حقيقة واحدة: أن ما نُسميه حبّاً ليس شيئاً نقياً ولا منزهاً، بل بناءٌ بشري مليء بالرغبات والمصالح، مهما حاولنا تزيينه أو الانطلاق به إلى الاتجاه نفسه..
فلا وجود لحب نقي كما يتخيله معظم الناس.
وراء كل انفعال جميل توجد رغبة، ووراء كل تعلق توجد لذّة شخصية يحاول الإنسان إخفاءها خلف قناع اسمه الحب..
ما يفعله نيتشه في تحليلاته ليس هجاءً للعاطفة، بل كشفٌ لبنيتها الحقيقية وفضحٌ لما تُخفيه وراء أقنعتها الجميلة..
فالحب عنده ليس جوهراً مقدساً، ولا شعوراً صافياً يهبط من السماء، بل اندفاعة شعورية نبحث من خلالها عن متعتنا الخاصة. نحن لا نحب الآخر لأنه هو، بل لأن وجوده يولّد في داخلنا إحساساً نريده ونحتاجه.
وعندما ينتهي هذا الإحساس، يتبخر ما كنّا نصرّ على تسميته حبّاً.
وهذا أمر طبيعي تماماً في نظر نيتشه؛ لا يراه عيباً ولا خطيئة. لكن العيب الحقيقي في رأيه، هو تحويل هذا الشعور المتقلّب إلى صنم، وتزيينه بصورة طاهرة لا وجود لها إلا في الخيال.
ولهذا يرفض نيتشه بشدة كل الخطاب الذي يمجّد طهارة الحب أو نبل العاطفة..
فمن يصرّعلى أن الحب خالص من المصلحة، إمّا شخص يعيش في المثاليات ولا يريد رؤية طبيعة البشر، أو شخص يستخدم فكرة النقاء كغطاء ليستغل الحب ويُجمّله أكثر مما هو عليه..
كان نيتشه يعرف جيداً أن أكثر المفاهيم التي يخدع بها الإنسان نفسه هي تلك التي يزيّنها بكلمة حب..
فالديانة المسيحية رفعت الحب إلى مرتبة سماوية لأنها كانت بحاجة إلى خطاب يجذب النفوس ويستميل الضعفاء.
والمثاليون تمسّكوا بوهم الحب النقي لأنهم يجدون في تلك الصورة المضيئة متعة وهروباً من تعقيد البشر وتناقضاتهم.
أما المخادعون فقد جعلوا من نقاء الحب ستاراً ليظهروا أفضل مما هم عليه، وليخفوا أن رغباتهم ومصالحهم هي التي تقودهم في العمق..
الواقع الإنساني واضح لمن يريد أن يرى: كل حب تحرّكه منفعة، وكل انفعال تسنده لذّة… وحتى الحب يقوم على ما نأخذ، لا على ما نزعم أننا نعطيه..
وكل محاولة لنفي هذا الواقع ليست سوى شكل آخر من أشكال التجميل أو الخداع.
الإنسان كائن يبحث عن لذّته، حتى داخل أكثر مشاعره رقة وعمقاً… وما الحب إلا واحدة من تلك اللذّات التي نحاول تغليفها بهالة من القداسة.
لذلك أي شخص يتحدّث بمثالية عن الحب احذروا منه، فهو إمّا مثالي يتغذّى على الأوهام ويجد لذّته في خيال النقاء، أو شخص ماكر يستخدم فكرة النقاء ليمرّر مصلحته بصمت.
يقول نيتشه في (إنسان مفرط في إنسانيته):
لا يمكننا البتة أن نحس لأجل الآخرين كما يحلو لنا أن نردد، إننا لا نحس إلا لأجل أنفسنا.
ربما تبدو هذه المقولة قاسية.. لكنها ليست كذلك إذا ما فهمناها جيداً، فنحن لا نحب لا أباً ولا أماً ولا زوجة ولا ولداً.. بل نحب الأحاسيس الممتعة التي يولدها هؤلاء فينا، أو كما يقول لاروشفوكو:
إذا ما اعتقدنا أننا نحب معشوقتنا حباً فيها، فنحن واقعون حقاً في مغالطة
فالسبب الذي يجعلنا نولي المحبة تقديراً أرقى مما نولي لبقية الأشياء لا يتعلق في الحقيقة بجوهرها، بل بنفعيتها.
· هذه بعض المصادر التي تناول فيها نيتشه موضوع الحب:
· هكذا تكلم زرادشت - ترجمة علي مصباح، ص 139
· إنسان مفرط في إنسانيته، الجزء الأول، ص 79 و84 و133 و295
· إنسان مفرط في إنسانيته، الجزء الثاني، ص 55 /
· الفجر، ص 261 - ترجمة محمد الناجي
· ما وراء الخير والشر، ص 264 - ترجمة جيزيلا فالور
· إرادة القوة، ص 270 و289 - ترجمة محمد الناجي
· نقيض المسيح، ص 86 - ترجمة علي مصباح


