لمن هذه الحياة: للعظماء أم للرعاع؟
حكى الفيلسوف نيتشه في موضع من كتابه "هكذا تكلم زرادشت"، إذ عرض لذكر الرعاع، فقال:
لقد تساءلت في نفسي يومًا، وكاد هذا السؤال يخنقني: هل الحياة محتاجة إلى الرعاع أيضًا؟
وفي هذا التساؤل سرّ خفيّ من أسرار الفلسفة، فقد بدا لي كأنه سؤال ضيق الصدر، عظيم الثقل، حقيق بالتأمل والتحليل. فلعلّ الأمر ليس في كثرة الرعاع في الحياة فحسب، بل في أن الحياة في أصلها قد قامت على كواهلهم. فالصفوة من الناس هم الذين يصنعون المجد، ولكن السواد الأعظم هو الذي يكوّن العالم ويحدّ معالمه.
وينبغي أن يُعلم أن نيتشه لم يعنِ بالرعاع طبقة اجتماعية بعينها، وإنما قصد نمطًا من الناس يمتد إلى الفكر والعقل والطباع. فالرعاع لا يقدرون على حمل البرهان، ولا يطيقون الفكر العميق؛ لأن الحقيقة تتطلب جهدًا يكشف عن قصورهم، فلذلك يلوذون بالشعارات الهيّنة والأفكار التي لا تنغّص عليهم عيشهم. ومن طباعهم أنهم يميلون إلى ما عليه الجماعة، فتصير كثرة الأصوات عندهم حجة، ويصير رأي الأكثرية بديلاً عن الحق.
ولأنهم عاجزون عن الارتقاء، فهم لا يسعون إلى الصعود بقدر ما يسعون إلى وضع من يرتفع فوقهم. ومن أمثلة ذلك في زماننا هذا: ما نراه من اتكال الناس على مواقع الأخبار والمقالات، يتلقّون منها المعلومات بلا تمحيص ولا تثبّت، ولا رجوع إلى الثقات من أهل العلم؛ فيصير الباطل المشاع هو السائد، ليس لأنه حقّ، بل لأن الأكثرين يردّدونه.
ومما نستخلصه من هذا: إن التاريخ قد تصنعه الأفذاذ، ولكن الحياة اليومية إنما يديرها السواد الأعظم. فهم الذين يضعون القيم، ويحددون المقبول والمرفوض، وهم الذين يبتدعون الذوق العام والأخلاق المتبعة. ولذلك يحدث كثيرًا عكس ما نتوهّم: ليس العظماء هم الذين يحدّون صورة العالم، بل الرعاع هم الذين يضعون الحدود التي لا يُسمح للعظماء بتجاوزها.
ومن هذا الوجه، يلوح لنا قول نيتشه وكأنه يقول: إن الحياة مهيّأة للإنسان العادي المطيع منها للإنسان الفذّ. فإن الفذّ غالبًا ما يكون غريبًا في قومه، مزعجًا للقيم السائدة، خطرًا على الاستقرار؛ ولذلك يعمد الجمهور إلى ترويضه أو تصغيره أو مقاتلته. وقد ننتهي إلى نتيجة قاسية: ليست العبرة فقط بندرة الأفذاذ، بل إن نظام العالم قد رُتّب ليكون مريحًا للرعاع أكثر مما هو مريح لهم.
وهكذا يعود السؤال أشدّ إيلامًا: هل الحياة تحتاج إلى الرعاع؟ أم أن الحقيقة الأشدّ إزعاجًا هي أن الحياة في أكثرها قد جُعلت لهم من الأصل؟



أقرأ كلامك، والأمثلة تتبادر إلى ذهني واحدة واحدة. الحياة قاسية وعبثية، ويبدو أنها مصممة للرعاع فعلا، أولئك الذين تعيش سطحيتهم دون أن يزعجهم عبث الواقع، بينما النوع العميق وحده يدرك حجم الأمور ويعاني من مواجهتها
ومتى لم تكن لرعاع أصلا