لا تصدق ما يقوله المشاهير
في إحدى ليالي القصر، حين كانت الشموع تتراقص كأنها تهمس بأسرارٍ قديمة، جلس الملك على عرشه مطمئنًا، وأدار حوله مجلسه من وزراءٍ وكبارٍ.
ثم قال بنبرةٍ حاسمة، كأن كلماته تُسندها عراقة التاريخ:
- لقد بلغني عن شيخٍ من الريف، أنَّ عشبةً نادرة تُشفي السرطان. وقد صدّقته، لأن الحكمة لا تُخطيء حين تأتي من منبعها.
وأومأ بأمره، فاعتلت القاعة موجة من الصمت، قبل أن يضيف:
- فلتكن هذه العشبة علاجَ مملكتي، ولتُوزّع على الناس فورًا.
وقف أحد الوزراء، طبيبٌ شابٌ، عرفت عيناه معنى الألم والمرض، فالتفت إلى الملك بحذرٍ، وقال بصوتٍ لا يعلو فوقه:
- يا مولاي، ما الدليل؟ هل هناك تجارب أو دراسات تُثبت ذلك، أم أن الكلام مجرّدُ سَمعٍ؟
ما إن نطق الطبيب، حتى ارتفع صوتٌ من جانب القاعة، لرجلٍ كبيرٍ في السن، له هيبةُ القِدم ونفوذُ المكان:
- كيف تجرؤ على التشكيك في كلام الملك، أيها الغرّ الصغير؟!
الملك لا يُخطئ، ومن يشكك فيه يُعدّ خائنًا.
مغالطة الاحتكام إلى السلطة
تحدث هذه المغالطة عندما يُستَدلّ على صدق قضية أو صحة ادّعاء اعتمادًا على مكانة شخص أو جهة ما بوصفها سلطة، بدل الاستناد إلى أدلة تجريبية أو حجج عقلية مستقلة. ويكون الخلل المنطقي هنا في إحلال المصدر محل البرهان، أي اعتبار أن القول صحيح لمجرد أن شخصية مرموقة أو جهة ذات نفوذ قالت به، بغضّ النظر عن طبيعة الدليل أو مدى اختصاص تلك السلطة في الموضوع محل النقاش.
يمكن اختصارها بقول أنها استدلال غير صحيح يُفترض فيه أن صدق القضية ناتج عن صدورها من سلطة معرفية أو اجتماعية أو رمزية، دون فحص مستقل للأدلة أو التأكد من كفاءة تلك السلطة واختصاصها في المجال المعني.
تأخذ هذه المغالطة غالبًا الشكل التالي:
الشخص (س) يُعدّ سلطة أو شخصية مرموقة.
الشخص (س) يقول إن القضية (ق) صحيحة.
إذن، القضية (ق) صحيحة.
الخلل هنا أن النتيجة لا تترتب منطقيًا على المقدمتين، لأن مكانة القائل لا تُنتج صدق القول.
يقع المرء في هذه المغالطة عندما يعتقد بصحة فكرة لسبب وحيد هو هيبة مصدرها، حتى لو كانت الفكرة صحيحة في ذاتها. فالمشكلة ليست في صحة الادعاء من عدمه، بل في اتخاذ السلطة بديلاً عن الدليل، أو اعتبارها حجة كافية بذاتها.
مع ذلك، ليس كل احتكام للسلطة مغالطة. ففي حياتنا العملية، نلجأ بشكل مشروع إلى آراء الخبراء والمتخصصين في المجالات التي تفتقر إلى خبرتنا الشخصية. فالمعرفة البشرية متراكمة ومتخصصة، والخبراء هم من كرّسوا سنوات لفهم مجال محدد، مما يجعل رأيهم فيه أكثر موثوقية من رأي الشخص العادي.
عندما نمرض، نستشير الطبيب. وعندما يتعطل حاسوبنا، نلجأ إلى الفني المختص. هذا النوع من الاحتكام المشروع إلى السلطة مبني على ثقة ضمنية في أن رأي الخبير ليس تعسفيًا، بل يستند في جوهره إلى أدلة وقواعد منهجية راسخة في مجال تخصصه. نحن لا نتجاهل الدليل هنا، بل نلتمسه من مصدره الموثوق. الفارق الجوهري هو أن سلطة الخبير هنا مستمدة من أدلته وخبرته المباشرة، وليست مجرد مكانة اجتماعية أو شهرة.
بداية الوقوع في المغالطة
على أرض الواقع، لا يكون التمييز بين الاستخدام المشروع والمغالطي دائمًا بهذه البساطة.
يبدأ الانزياح نحو المغالطة في الحالات التالية:
١. عندما يكون الاحتكام إلى السلطة غير ضروري:
تخضع العديد من القضايا للملاحظة المباشرة أو للحساب المنطقي البسيط. في مثل هذه الحالات، يكون الدليل متاحًا بشكل مباشر، واللجوء لسلطة ما لطلب ذلك الدليل يصبح عبثًا لا مبرر له. فهو أشبه “بالتيمم مع وجود الماء”، حيث تكون المعرفة المباشرة أقوى وأولى من أي احتكام إلى سلطة خارجية.
٢. إذا كانت الدعوى خارج نطاق اختصاص “السلطة”
تفقد مرجعية الخبير شرعيتها عندما يبدي رأياً في مسألة تقع خارج مجال تخصصه الدقيق. في هذه الحالة، يصبح رأيه مجرد رأي شخصي لا يستند إلى الخبرة المطلوبة، ولا يختلف عن رأي أي شخص عادي. فهو يدخل هذا المجال الجديد كـ”غير متخصص” تاركاً سلطته خارجه.
وفي عصر التخصصات الدقيقة، نجد أن الخبراء الحقيقيين غالباً ما تكون معرفتهم محدودة خارج نطاق اختصاصهم الضيق. بل إن التخصص الشديد في مجال معين قد يُحدِث ما يُعرف بـ”العجز المكتسب”، حيث تصبح خبرة الشخص في مجاله عائقاً أمام قدرته على الحكم السليم في مجالات أخرى بعيدة عنه.
ويتجلى الاستغلال الشائع لهذه المغالطة في الإعلان بالشهادة، حيث تعلن شخصيات مشهورة (كالفنانين والرياضيين) عن منتجات استهلاكية مثل العطور أو الصابون. هذه الشهادات تخلو عادةً من أي قيمة خبرة حقيقية، لأن علاقة هؤلاء المشاهير بالمنتج لا تختلف عن علاقة أي مستهلك عادي به. الغرض منها هو نقل هيبة الشهرة إلى المنتج، وهو أسلوب إعلاني يعتمد كلياً على منطق “الاحتكام إلى السلطة”، ويظل نجاحه مرهوناً بقدرته على التأثير في الجمهور، لا على صدقية الشهادة نفسها.
٣. إذا كان هناك خلاف بين الخبراء في المسألة المطروحة
يكون الاحتكام إلى السلطة مغالطاً عندما يكون هناك خلاف جوهري بين الخبراء أنفسهم في الموضوع المعني. ففي هذه الحالة، يصبح كل رأي ونقيضه مدعوماً بسلطة خبيرة، مما يجعل من المستحيل حسم النقاش بمجرد الاستشهاد بأحد الأطراف.
ففي مجالات مثل الاقتصاد أو علم النفس، نجد خلافات عميقة بين المدارس الفكرية حتى حول المبادئ الأساسية. فقد يدعم بعض الاقتصاديين الثقات فكرة أن “العجز” محرك اقتصادي رئيسي، بينما يرفضها آخرون بنفس الدرجة من الثقة.
هذا يذكرنا بأن الخبير الذي يُستشهد به قد لا يمثل الإجماع أو حتى الرأي السائد في مجاله. في كثير من الأحيان، يمكن للمرء أن يجد خبيراً يدعم تقريباً أي موقف، مما يجعل الاحتكام إلى سلطته انتقائياً وغير حاسم.
الخبراء بشر، ويختلفون ويخطئون حتى ضمن تخصصهم. وهذا بالضبط ما يبرر ممارسات مثل طلب “رأي طبي ثانٍ” عندما يكون التشخيص غير واضح. الحكمة تكمن في إدراك أن السلطة الخبيرة ليست كتلة واحدة متجانسة، والتشبث برأي خبير واحد يتوافق مع هوى الشخص يمثل سوء استخدام لهذه الحجة.
٤. عندما يكون الخبير مُتحيزًا أو مُحاطًا بشُبهة التحيز
يجب أن نتذكر دائمًا أن الخبراء بشر، والبشر غير معصومين عن التحيز والأهواء. فالكمال في الموضوعية أمر غير مُتاح، وقد يؤثر ميل الشخص الطبيعي تجاه آرائه حتى مع الحرص على النزاهة.
في الحالات التي يكون فيها تحيز الخبير قويًا وجليًا، يصبح من غير المنطقي الاعتماد على رأيه كسلطة موضوعية. ويكون ذلك واضحًا في مواقف مثل:
• تضارب المصالح المادي: كأن تُموِّل شركات التبغ أبحاثًا طبية عن أضرار التدخين السلبي.
• الانحياز الشخصي أو العاطفي: كالمحامي الذي يدافع عن قضيته الشخصية، أو الطبيب الذي يحاول تشخيص مرضه (أو مرض قريبه). هنا، قد تطغى الرغبات أو المخاوف على الحكم المهني الموضوعي.
في مثل هذه الظروف، يكون الرأي “مجرّحًا”، وتفقد السلطة الاستشهادية مصداقيتها الأساسية.
٥. عندما يكون مجال تخصص “السلطة” علماً زائفاً أو غير مشروع
تفقد الخبرة قيمتها إذا كان مجالها نفسه باطلاً أو زائفاً. فالإلمام بالوهم ليس معرفة حقيقية. ولا تهم الشهادات أو الخبرة الطويلة إذا كانت في حقول مثل التنجيم، أو قراءة الكف، أو فراسة الدماغ (فرينولوجيا)، أو ما شابهها من الممارسات التي تفتقر إلى الأسس العلمية الموثوقة.
٦. عندما تكون الخبرة أو الفتوى غير معاصرة
المعرفة الحقيقية تتقدم وتتطور باستمرار، وغالباً ما يكون التقدم مرادفاً للمراجعة والتصحيح. لذلك، يمكن أن تصبح النظريات والآراء العلمية قديمة أو مغلوطة في غضون سنوات قليلة. الاحتكام إلى سلطة معرفية جامدة أو غير محدَّثة يعد مغالطة، لأن الحقيقة في المجالات الحيوية هي حقيقة راهنة تعكس أحدث ما توصل إليه البحث والإجماع العلمي.
٧. عندما تكون السلطة مجهولة أو غير محددة
يُعد الاحتكام إلى سلطة غير مُعرَّفة أو مجهولة الهوية مغالطة واضحة، لأنه يستحيل عندئذ التحقق من وجودها أو من اختصاصها. يلجأ البعض إلى تدعيم مواقفهم بعبارات عامة مثل:«يقول العلماء»، أو «أثبتت الأبحاث»، أو «ينصح الأطباء»، أو «هناك دراسات»، دون ذكر مصدر محدد أو أدلة قابلة للتحقق.
في حين أن الإشارة العامة إلى إجماع الخبراء تكون مشروعة عندما يكون الرأي المطروح معتمدًا على نطاق واسع في مجاله، فإن تكرار استخدام السلطة المجهولة غالبًا ما يكون مؤشرًا على الغموض المتعمد أو عدم الإلمام الحقيقي بالموضوع. فلو كان الاستشهاد حقيقيًا، لكان ذكر المصدر المحدد أمرًا يسيرًا.
في كثير من الحالات، يتبين أن الادعاءات المبنية على سلطة مجهولة ما هي إلا إشاعات أو دعاوى كاذبة، صُمِّمت أحيانًا عمدًا للتأثير على الرأي العام دون تحمُّل مسؤولية المصدر.
أمثلة/
١.هذا الرأي صحيح لأن والدي يقول ذلك، وهو أكبرنا سنًا وأكثرنا خبرة.
(العمر والخبرة الحياتية لا يشكّلان برهانًا منطقيًا على صحة الادّعاء.)
٢. هذه المعلومة صحيحة لأن الأستاذ قالها، ولا داعي لمراجعة المصادر.
(الأستاذ وسيط معرفي لا مصدرًا معصومًا، والخطأ ممكن ما لم تُراجع المعلومة ضمن مصادر موثوقة.)
٣. هذا الفعل صحيح أخلاقيًا لأن رجل دين أو شيخًا قال إنه كذلك.
( الاحتكام إلى المكانة الرمزية بدل تقديم مبررات أخلاقية عقلانية قابلة للنقاش العام.)
٤. يؤكد العالِم الكبير وليم جينكينز الحائز على جائزة نوبل في الفيزياء أن فيروس الإنفلونزا سيتم القضاء عليه بجميع أنواعه بحلول عام ألفين وخمسين، ومثل هذا العالِم الفذ لا يُستهان برأيه.
(خبير في غير مجاله)
٥. يقول «المتخصصون» أن سنسوداين هو أفضل معجون يضمن سلامة الأسنان.
(خبرة خير محددة)
بغض النظر عن مكانة السلطة وهيبتها، تبقى المعرفة المستمدة منها معرفة وسيطة وغير مباشرة، فهي ليست معرفة أولية من المنبع. إنها معيار مشتق يعتمد على مصدر آخر، وليس بديلاً عن الدليل المباشر.
وفي الختام
يُظهر لنا التاريخ أن السلطات تخطئ وتجهل وتتضارب. فهي ذاتها تتبنى معايير متباينة للحقيقة، مما يجعل الاعتماد عليها وحده لا يرقى إلى مستوى المعرفة اليقينية، بل يظل في دائرة الظن أو الرأي.
لذلك، يبقى الموقف الأمثل هو عدم الاكتفاء بالاحتكام إلى السلطة كحجة نهائية، بل استكماله دائمًا بعرض الأدلة والبراهين التي تستند إليها تلك السلطة، قدر استطاعتنا وفهمنا. فالغاية هي الوصول إلى الحجة ذاتها، وليس التوقف عند قائلها.
عن المقال/
استند هذا المقال كليًّا إلى كتاب المغالطات المنطقية لـ عادل مصطفى، كما أُخذت الصورة الثانية الواردة فيه من كتاب المحاورة بالحيلة لـ علي الموسوي، بينما تم توليد صورة الغلاف باستخدام نموذج
DALL·E



