ما لا نحب سماعه قد يكون صحيحًا: دليلك لمغالطة الاحتكام إلى النتائج
ليس دور الفكر أن يخدم أهواءنا أو يطمئن رغباتنا أو يجعلنا نشعر بالراحة، بل وظيفته الأساسية هي البحث عن الحقيقة كما هي، وكشف الأوهام مهما كانت غير مريحة.
من المغالطات المنطقية أن نحكم على صحة أي اعتقاد أو خطئه بناءً على نتائجه المتوقعة، سواء كانت هذه النتائج إيجابية أو سلبية. فالنتائج، بحد ذاتها، لا تُثبت صدق الفكرة ولا تُبطلها.
تقوم مغالطة الاحتكام إلى النتائج على الخلط بين حقيقة الفكرة وما يترتب عليها. ويمكن تبسيط صورتها المنطقية على النحو الآتي:
الصيغة الأولى (نتائج مرغوبة):
الاعتقاد بأن الفكرة «ق» تؤدي إلى نتائج جيدة أو مريحة.هذه النتائج لا علاقة لها بصدق الفكرة «ق».إذن: يتم اعتبار «ق» صحيحة.الصيغة الثانية (نتائج غير مرغوبة):
الاعتقاد بأن الفكرة «ق» تؤدي إلى نتائج سيئة أو مزعجة.هذه النتائج لا علاقة لها بخطأ الفكرة «ق».إذن: يتم اعتبار «ق» خاطئة.إن الفكرة تُقيَّم بناءً على الأدلة التي تدعمها أو تدحضها، لا بناءً على ما نحب أو نكره من نتائجها.
أمثلة على نتائج ايجابية/
١. «يجب أن تكون هذه الفكرة صحيحة، لأنها تمنح الناس الأمل وتُشعرهم بالراحة النفسية.»
الخطأ هنا أن الراحة النفسية لا تُثبت صحة الفكرة
٢. «لو لم يكن هذا الاعتقاد صحيحًا، لانتهى معنى الحياة عند كثيرين، لذلك لا بد أن يكون صحيحًا.»
كون الفكرة تمنح معنى لا علاقة له بصدقها.
أمثلة على نتائج سلبية/
١. «لا يمكن أن تكون هذه الفكرة صحيحة، لأن قبولها سيؤدي إلى الفوضى.»
الفوضى المحتملة ليست دليلًا على خطأ الفكرة.
٢. «هذه النتيجة خطيرة أخلاقيًا، لذلك لا بد أن الفكرة التي أدّت إليها خاطئة.»
الحكم الأخلاقي على النتائج لا يُحدد صدق الفكرة.
القضية تكون صادقة أو كاذبة بصرف النظر عن مشاعرنا تجاه نتائجها. فالعالم لا يعمل وفق رغباتنا، ولا تُصاغ الحقائق على مقاس مصالحنا. ما نحب أن يكون عليه الواقع لا يغيّر مما هو عليه فعلًا.
ومن هنا، لا توجد علاقة منطقية بين النتائج التي تترتب على اعتقادنا بقضية ما وبين قيمة صدق هذه القضية، أي كونها صحيحة أو خاطئة. فصدق الفكرة أو كذبها يُحسم بالأدلة والوقائع، لا بما نتمناه أو نخشى نتائجه.
يُجسِّد هذا المعنى ما أشار إليه سيغموند فرويد في محاضرات تمهيدية في التحليل النفسي، حين قال إن الإنسان تلقّى ثلاث صدمات كبرى جرحت غروره وصورته عن نفسه ومكانته في العالم.
الصدمة الأولى جاءت مع كوبرنيكوس، حين أثبت أن الأرض ليست مركز الكون، ما أجبر الإنسان على الاعتراف بأن العالم لم يُخلق من أجله، وأنه ليس محور الوجود.
والصدمة الثانية أحدثها داروين، عندما بيّن أن الإنسان نتاج عملية تطور طبيعي، لا كائنًا منفصلًا عن بقية الكائنات. (بصرف النظر عن صحة أو بطلانها النظرية).
أما الصدمة الثالثة، وكانت الأشد قسوة، فجاءت من علم النفس الحديث، الذي كشف أن الإنسان لا يسيطر حتى على عقله بالكامل، وأن جزءًا كبيرًا من أفكاره ودوافعه يعمل في مستوى لا واعٍ خارج سيطرته.
وتُظهر هذه الأمثلة أن الواقع لا يُعيد تشكيل نفسه وفق ما يرضي الإنسان أو يحفظ غروره، وأن الحقيقة لا تتغير لأن نتائجها غير مريحة. وهو ما ينسجم مع رفض مغالطة الاحتكام إلى النتائج: فكون الفكرة صادمة أو جارحة لا يجعلها خاطئة، تمامًا كما أن كونها مريحة لا يجعلها صحيحة..
متى يكون الاحتكام إلى النتائج صائبًا؟
الفلاسفة منذ أرسطو لاحظوا أن الاحتكام إلى النتائج يكون مفيدًا أحيانًا، لكنه ليس دائمًا.
يقول أرسطو في الطوبيقا: إذا كان هناك خياران متساويان في كل شيء، وصعب تفضيل أحدهما، فعليك النظر إلى النتائج المتوقعة لكل خيار.
الخيار الذي يؤدي إلى نتائج أفضل هو الذي يجب اختياره.
وإذا كانت نتائج الخيارين سيئة، فاختَر الأقل ضررًا.
النقطة المهمة: أرسطو والفلاسفة الآخرون كانوا يتحدثون عن العقل العملي، أي الفعل والسلوك، وليس عن اكتشاف الحقائق العلمية.
عندما يتعلق الأمر بالحقائق أو صحة فكرة ما، لا يجوز الحكم عليها بناءً على النتائج.
من الخطأ رفض نظرية علمية جديدة أو فكرة جديدة لمجرد أنها تُزعج قناعاتنا أو تجرح كبرياءنا، أو تتعارض مع مشاعرنا الاجتماعية.
حول المقال/
استند هذا المقال إلى كتاب المغالطات المنطقية لـ عادل مصطفى، كما أُلتقطت الصورة الثانية الواردة فيه من كتاب المحاورة بالحيلة لـ علي الموسوي، وتم توليد صورة الغلاف باستخدام نموذج
DALL·E




مبدع كالعادة👏🏻أرجو أن تكتب مقالا عن "الانحياز التأكيدي" و فيما يتعلق بالعقل البشري