إنسانيّ مُفرط في إنسانيته
ملاحظة: تم إستعارة العنوان من كتاب فريدريك نيتشه
„Menschliches, Allzumenschliches”
تخيل عالماً، حيث يعيش ذلك الفتى، عالم لا يعرف العدالة، ولا المساواة، ولا الكرامة. عالم يطغى فيه القتل، والغش، والرذيلة، حيث يتحرك الإنسان كدمية في مسرحية كبرى، لا يملك فيها إلا أن يستجيب لموجات الألم والخوف. ربما يصعب عليك إدراك معاناته، لكن هل نحن بعيدون عن ذلك العالم؟ أم أننا نحيا فيه في كل ثانية، نستشعره بالفقر والثراء، بالخيانة والوفاء، بالحب والكره، بالموت والحياة وبالحرب والسلام؟
هذا الفتى، في عطلة صيفية بعيدة، كان يخرج مع أصدقائه للتمشية والضحك، يركض معهم على رمال الشوارع الساخنة، يختبر شعور الانتماء والفرح البسيط. حتى جاء اليوم الذي امتلك فيه أصدقاؤه دراجات هوائية، هدية من آبائهم. أما هو، فلم يمتلك واحدة، وظل يركض خلفهم، كأن قدميه تحاول تعويض الغياب، كأنهما الدراجة التي لم تُمنح له. ركض، تعثر، سقط، وانجرحت ساقاه وذراعاه، عاد إلى المنزل دامياً وباكيًا، دخل سرًا ليغسل جروحه، يطمس آثار الألم، يحاول ألا يرى أحد ضعفه، وارتجفت أطرافه من شدة المعاناة. ثم قال لوالديه، بصوت مختنق بالحرج: "أريد دراجة، كل أصدقائي لديهم واحدة إلا أنا". فردا عليه: "سوف نشتري لك واحدة نهاية هذا الشهر".
مرت الأيام، والسنون، وكبر الفتى، وما زال حلم الدراجة عالقًا في ذاكرته. وحتى بعد أن أصبح بالغًا، قادرًا على شرائها بنفسه، لم يعرف لماذا لم يمتلكها أبداً. ربما جهنم بالنسبة له لم تكن بعد الموت، بل كانت الحياة بعينها: الفقر، الخوف، الألم، الفقدان، التنمر، الضياع، وكل شيء كان عقابًا مستمرًا.
كل فعل من أفعالنا تحكمه هذه الهواجس: خوف من فقدان السعادة، خوف من تشوه الصورة أمام الآخرين، خوف من المجتمع، وربما حتى خوف من بعد الموت.
إننا نحيا في عالم مشوه بسبب ساكنيه، نعتقد أننا نستحق حياتنا، بينما الحقيقة أن الحياة هي من تستحقنا. لأنها شر بعينه. كل لحظة فيها جهنم، وكل محاولة للهروب منها مجرد وهم مؤقت. الموت، ربما، هو النعيم بذاته.
ذلك الفتى، الذي لم يمتلك دراجته، يمثل كل إنسان، محطمًا بين الرغبة في التملك والخوف من الفقدان وفي الحب والنجاة من الألم، متشبثًا بالوجود، لكنه يدرك عبثية كل شيء حوله. ربما نحن جميعًا مثله، نركض خلف أمنياتنا كأقدام بلا دراجات، نرتطم بالجدران وننهض، نحاول، ونخاف، ونظل نلهث طوال حياتنا، غير قادرين على تحقيق حلمنا الأبسط، بينما نعتقد أننا نعيش.
في النهاية، ربما المعاناة هي ما تجعله واعيًا، وحسّاسًا، ومثقلًا بالألم الذي يتجنب الآخرين مواجهته، لأنه يرى العالم كما هو: قاسٍ، غير عادل، مستمر في معاقبة أولئك الذين يجرؤون على الشعور بالحياة بصدق. ربما الحياة هي الجحيم الأكبر، وربما الموت هو الهدوء الذي نبحث عنه، وكل ما نعيشه بين شظايا الرغبة والخوف والخيبة، محاصرًا بين حلم لم يتحقق وألم لا ينتهي.
ولربما لستُ سوى: إنسان مفرط في إنسانيته.



الحياة لا تخلو من الألم، لكنها تمنحنا دومًا فرصة جديدة لنبتسم ونبدأ من جديد
وربما كل جرح يحمل في طياته بذرة بداية، وكل سقوط يهيئ لقيام أقوى
احسنت