تخيّل أنك سمعت قاعدة بسيطة تقول "لا تكذب"، تبدو قاعدة واضحة جدًا، أليس كذلك! لكن ماذا لو كان هناك قاتل يطارد شخصًا بريئًا، ثم جاء إليك وسألك، "أين اختبأ؟" هل يصبح قول الحقيقة هنا فضيلة؟ أم أن الكذب يصبح واجبًا لإنقاذ حياة إنسان؟ هنا نبدأ في فهم المغالطة التي تسمى إغفال المقيّدات. فالمشكلة ليست في القاعدة نفسها، بل في نسيان الشروط والظروف التي تجعلها صحيحة في أغلب الأحيان دون أن تكون صحيحة في كل الأحوال.
نحن نعتمد في حياتنا اليومية على عدد هائل من القواعد العامة. نقول إن الصدق فضيلة، وإن السرقة خطأ، وإن احترام القانون واجب، وإن السرعة الزائدة ممنوعة، وإن الطيور تطير، وإن الدواء الفلاني مفيد لمرضى المرض الفلاني. هذه القواعد مهمة لأنها تساعدنا على فهم العالم بسرعة وتوفر علينا عناء إعادة التفكير في كل موقف من الصفر. لكن المشكلة تبدأ عندما ننسى أن معظم هذه القواعد ليست قوانين مطلقة، بل هي قواعد عامة تنطبق على أغلب الحالات لا كلها. فالواقع أكثر تعقيدًا من أي قاعدة يمكن أن نصفه بها.
هناك فرق مهم بين نوعين من التعميمات. النوع الأول هو التعميم المطلق، وهو الذي لا يسمح بأي استثناء. مثل أن تقول: "كل المثلثات لها ثلاثة أضلاع". يكفي أن تجد مثلثًا له أربعة أضلاع حتى تنهار العبارة كلها، لأن القاعدة لا تسمح بأي استثناء. أما النوع الثاني فهو التعميم المقيّد أو القابل للاستثناء، وهو الأكثر شيوعًا في حياتنا. مثل قولنا: "الطيور تطير". نحن نعرف أن هذا صحيح في المجمل، لكننا نعرف أيضًا وجود البطريق والنعامة وغيرهما من الطيور التي لا تطير. وجود هذه الاستثناءات لا يجعل القاعدة عديمة الفائدة، بل يعني فقط أنها ليست مطلقة.
مغالطة إغفال المقيّدات تحدث عندما نأخذ قاعدة من النوع الثاني ونتعامل معها كما لو كانت من النوع الأول. أي عندما نحاول فرضها على حالة استثنائية لا تنطبق عليها أصلًا. تخيل شرطي مرور يرى سيارة إسعاف تعبر الإشارة الحمراء مسرعة لإنقاذ مصاب، فيقول: "لقد خالفت القانون، إذن يجب معاقبتها." هنا لم يخطئ لأنه يعرف القانون، بل لأنه تجاهل الظروف الخاصة التي تجعل هذه الحالة استثناءً مشروعًا من القاعدة العامة. وكذلك المعلم الذي يمنع طالبًا ينزف من الذهاب إلى الحمام بحجة أن التعليمات تمنع الخروج قبل انتهاء الحصة، أو الشخص الذي يقول إن الجراحين مجرمون لأنهم يقطعون أجساد الناس بالسكاكين، أو من يطالب بمنع سيارات الشرطة من تجاوز السرعة أثناء مطاردة مجرم لأن القانون يمنع السرعة الزائدة. في كل هذه الأمثلة توجد قاعدة صحيحة في الأصل، لكن تم تطبيقها بصورة عمياء على حالة لا تنطبق عليها.
ولهذا كان سقراط يحب إحراج الناس بمثل هذه الأمثلة. كان يبدأ بالحصول على موافقة شخص ما على مبادئ أخلاقية عامة مثل "السرقة خطأ" أو "الخداع خطأ"، ثم يطرح عليه مواقف خاصة تجعل التمسك الأعمى بالقاعدة يبدو غير معقول. فإذا كان سرقة دواء هي الوسيلة الوحيدة لإنقاذ حياة إنسان، أو إذا كان خداع العدو هو الطريقة الوحيدة لحماية مدينة كاملة من الدمار، فهل تبقى القاعدة كما هي دون أي تعديل؟ كان سقراط يريد أن يبين أن الحكمة لا تكمن في حفظ القواعد، بل في فهم حدودها وشروطها.
لكن هناك خطأ معاكس لا يقل سوءًا. فكما يمكن للإنسان أن يطبق قاعدة عامة على حالة استثنائية، يمكنه أيضًا أن يأخذ حالة استثنائية ويجعلها قاعدة عامة. وهذا ما يسمى بمغالطة العرض المعكوس. تخيل أن أستاذًا سمح لطالب بتأجيل تسليم بحثه لأنه تعرض لحادث خطير ونُقل إلى المستشفى، ثم يأتي بقية الطلاب ليقولوا: "بما أنك سمحت له بالتأجيل، فيجب أن تسمح لنا جميعًا بالتأجيل." هنا تم أخذ استثناء مبرر وتحويله إلى قاعدة عامة. أو تخيل شخصًا رأى رجلًا يعيش على الطعام المقلي طوال حياته ولم يُصب بارتفاع الكوليسترول، فيستنتج أن الطعام المقلي لا يضر أحدًا. أو من يرى أن بعض المرضى يتناولون دواءً قويًا مثل المورفين لأسباب طبية استثنائية، فيطالب بإتاحته للجميع. في هذه الحالات يتم تجاهل السبب الذي جعل الحالة استثناءً أصلًا.
في الحقيقة، كثير من النزاعات الفكرية والأخلاقية والقانونية تنشأ من هذا الخلط بين القاعدة والاستثناء. بعض الناس يعشقون القواعد إلى درجة أنهم يريدون تطبيقها على كل شيء بلا استثناء، بينما يعشق آخرون الاستثناءات إلى درجة أنهم يريدون تحويلها إلى قواعد عامة. لكن الحياة لا تعمل بهذه البساطة. فالقاعدة تحتاج إلى الاستثناء لكي لا تتحول إلى ظلم، والاستثناء يحتاج إلى القاعدة لكي لا يتحول إلى فوضى.
ولهذا فإن التفكير السليم لا يسأل فقط: "ما هي القاعدة؟" بل يسأل أيضًا: "هل تنطبق هذه القاعدة على هذه الحالة تحديدًا؟" و"هل توجد ظروف خاصة تجعلها استثناءً؟" و"هل هذا الاستثناء حالة نادرة أم أنه يصلح لأن يصبح قاعدة عامة؟". فالقواعد وُجدت لخدمة الإنسان، لا ليصبح الإنسان أسيرًا لها. والاستثناءات لم تُوجد لهدم القواعد، بل لتذكيرنا بأن الواقع أغنى وأكثر تعقيدًا من أي صيغة عامة نحاول اختزاله فيها. ولهذا يمكن القول إن جوهر هذه المغالطة كلها هو نسيان أن معظم القواعد في الحياة تقول: "عادةً"، بينما يتصرف الناس معها كما لو كانت تقول: "دائمًا".
دُمتم بخير ♡ سامي شو
حول المقال/
تمت الاستفادة في هذا المقال من كتاب المغالطات المنطقية لـ عادل مصطفى، وتم إنشاء صورة الغلاف باستخدام نموذج
DALL·E


