ملحمة الإلياذة "العظمة الغربية"
في عالمٍ لم تكن فيه الفلسفة قد وُلدت بعد، ولم تكن الآلهة المزيفة قد ماتت بعد، كُتبت أو رُويت الإلياذة. انها ليست قصةً عن حربٍ، بل عن إنسانٍ غضوب، مجيد، هشّ. عن بطلٍ لا يُقهر في ساحة القتال، لكنه عالق في صراع داخلي مع كبريائه. عن بشرٍ يخطئون، ويثورون، ويموتون… تحت أنظار آلهة لا تبكي.
الإلياذة، التي تُنسب إلى هوميروس، ليست سردًا لتاريخ حرب طروادة كله، لكنها لحظة اسطورية واحدة منه: غضب أخيل. وهذا ما يجعلها أكثر من مجرد ملحمة؛ إنها دراسة مبكرة جدًا عن الطبيعة البشرية.
لقد بدأت الحرب بين الطرواديين والآخيين – وفقًا للأسطورة – حين اختطف باريس الطروادي هيلين، زوجة ملك إسبرطة. لكن الإلياذة لا تهتم بتلك التفاصيل. ما يهمها يبدأ عندما يتنازع اثنان من زعماء الآخيين: أخيل، البطل الذي لا يُهزم، وأغاممنون، الملك المتعجرف.
أغاممنون ينتزع من أخيل جاريته، كنوع من الإهانة. فيغضب أخيل، وينسحب من الحرب، رغم علمه أن انسحابه قد يكلف قومه الهزيمة. هنا تبدأ الإلياذة فعليًا.
غضب أخيل لم يكن مجرد انفعال؛ إنه القاعدة التي تبنى عليها الملحمة كلها. في لحظة، يصبح الغضب أقوى من المجد، من الواجب و من الصداقة.
نرى بطلاً يختار انسحابًا أنانيًا، ثم يتغير فقط حين يُقتل صديقه باتروكلوس.
حين يعود أخيل إلى القتال، لا يعود من أجل "القضية"، بل من أجل الثأر. يقتل هكتور، أمير طروادة، ويشوّه جثته، في مشهد وحشي يُظهر كم يمكن للبطولة أن تتشظى.
لكن التحول الأكبر لم يحدث في ساحة المعركة، بل في ما بعدها: حين يأتي بريام، ملك طروادة، متوسلًا إلى أخيل أن يعيد له جثة ابنه. وهنا، في لحظة إنسانية نادرة، يلين قلب أخيل، ويبكي. يرى في بريام أباه، ويرى في نفسه شيئًا من هشاشة الإنسان، ولو للحظة.
صحيح أن الإلياذة أسطورة، إلا أن جذورها الفلسفية واضحة. أسئلة تطرحها ضمنيًا:
ما معنى البطولة حين تفتك بالآخرين وتلتهم صاحبها؟
أين تبدأ الذات وتنتهي حين يصبح المجد أهم من الحياة؟
هل يمتلك الإنسان مصيره، أم أن الآلهة – أو الظروف – تحركه كدمية على خيوط القدر؟
حتى الآلهة في الإلياذة، ليست رموزًا للتسامح أو الحكمة. إنها كيانات تتنازع، تضحك، تحابي، تكره. أقرب إلى انعكاس ساخر للبشر منها إلى كيانات عليا. وكأن الملحمة تقول لنا: "حتى في السماء لا يوجد منقذ، افهم نفسك أولاً."
لا تزال الإلياذة مهمة اليوم لأن الإلياذة لم تنتهِ، لأنها ليست عن طروادة، بل عنّا. عن تمزقنا بين الواجب والرغبة، بين المجد والندم، بين الانتقام والصفح.
اليوم، حين نرى قادة يسحبون أممهم إلى الحروب بسبب غرورهم، حين نرى أفرادًا يدمرون أنفسهم بسبب جرح في الكرامة، نفهم أن الإلياذة ليست قصة قديمة، بل مرآة نادرة لِما لا يزال يتكرر.
وفي الختام:
الإلياذة لا تعطي دروسًا مباشرة، لا تعظ، لا تبرر. إنها تُظهر، تُجسّد، وتتركك مع الأسئلة. وهذه، ربما، أعظم قيمة لأي عمل فني أو فلسفي. إنها لا تعلّمك ماذا تفكر، بل تدفعك لأن تسأل لماذا تفكر هكذا؟
هوميروس، أو من كتب باسمه، لم يكن فيلسوفًا، لكنه فتح الباب. خلفه، ليدخل الفلاسفة، ومعهم نحن.
المصدر:
https://www.hindawi.org//books/85205353/?utm_source&utm_source



شكرًا، لتسليط الضوء على زاوية من زوايا الملحمة.