سهمٌ لا يصيب مرماه
إذا كان الرماةُ رماةَ سوءٍأَحلّوا غيرَ مرماها السهاما— شوقي
مغالطة تجاهل المطلوب | Missing the Point
تُشبه هذه المغالطة سهمًا أُطلق بثقة، لكنه أخطأ الهدف تمامًا، ثم قوبل بالتصفيق لأنه أصاب شيئًا ما على أي حال. فالمشكلة هنا ليست في ضعف السهم، بل في أنه وُجِّه منذ البداية إلى غير المراد.
في مغالطة تجاهل المطلوب، لا يعجز المتكلم عن الاستدلال، بل يستدل بمهارة… على أمرٍ آخر. إذ يتجاوز ما كان ينبغي إثباته، وينصرف إلى نتيجة مختلفة، قد تكون صحيحة أو معقولة في ذاتها، لكنها لا تُجيب عن السؤال المطروح ولا تمس جوهر النزاع. وهنا تكمن الخديعة المنطقية: الحجة تبدو متماسكة، والنتيجة مقبولة، غير أن الصلة بينهما وبين المطلوب مفقودة.
وعليه، تتحدد هذه المغالطة بخصيصتين واضحتين:
أولاهما أن مسار الاستدلال ينحرف عن الهدف الأصلي دون أن يُلاحَظ ذلك فورًا،
وثانيتهما أن هذا الانحراف ينتهي بثقة إلى نتيجة بديلة، وكأنها كانت المقصودة منذ البدء.
وهكذا يُستبدل البرهان المطلوب ببرهان مريح، ويُغلق النقاش لا بحل الإشكال، بل بتجاوزه.
أمثلة:
١. يُسأل مسؤول في مؤسسة تعليمية عن أسباب تدنّي نتائج الطلاب، لكنه لا يُجيب عن أداء المناهج أو كفاءة أساليب التدريس، بل يسترسل في الحديث عن قيمة التعليم في بناء الحضارات، وخطورة الجهل على مستقبل المجتمعات، والدور التاريخي للمدرسة في تقدم البشرية. لا خلاف على صحة هذه المعاني، ولا جدال في وجاهتها، لكنها لا تلامس السؤال المطروح. فإثبات أهمية التعليم لا يُبرهن على جودة هذا التعليم بعينه، ولا يفسر فشله المحتمل.
٢.في قاعة المحكمة، يقف محامي الادعاء في قضية قتل، غير أن مرافعتَه لا تتجه إلى ما هو مطلوب منه على وجه التحديد. بدلاً من أن يُقيم الدليل على أن المتهم هو من ارتكب الجريمة، ينصرف إلى توصيف بشاعة القتل وهول الفعل وفظاعة ما جرى. قد تكون هذه المرافعة محكمة الصياغة، وقد تثبت بما لا يدع مجالًا للشك أن الجريمة شنيعة حقًا، غير أن هذه النتيجة، مهما كانت صحيحة، لا تُثبت ذنب المتهم. وحين تُتخذ بشاعة الجريمة دليلاً على إدانة شخص بعينه، يكون الاستدلال قد غادر مساره الأصلي وانتهى إلى نتيجة لم تكن موضوع النزاع أصلاً.
في هذين المثالين، لا يكمن الخلل في ضعف الحجة، بل في توجيهها الخاطئ. يتم إثبات أمرٍ صحيح، لكنه ليس ما كان ينبغي إثباته. سرّ جاذبية هذه المغالطة يكمن في هذا الصواب الجزئي؛ فهو يمنح السامع شعورًا بالاقتناع، ويصرف انتباهه عن أن السؤال الجوهري ما زال بلا إجابة. وهكذا تُغلق الحجة شكليًا، بينما يظل موضوعها الحقيقي معلّقًا خارج دائرة البرهان.
وفي النهاية، تكشف مغالطة تجاهل المطلوب عن أحد أكثر أوجه الخلل المنطقي شيوعًا وخفاءً في آن واحد؛ فهي لا تقوم على الزيف الصريح، بل على انزلاق هادئ من السؤال الحقيقي إلى سؤال آخر أسهل وأقل إحراجًا. فهي لا تُفنّد القضية المطروحة، ولا تُثبتها، بل تتجاوزها بالكامل، مكتفية بإقناع ظاهري يولّده إثبات أمر لا خلاف عليه.
ومن هنا تأتي خطورتها؛ فهي لا تُواجه بالعقل الناقد بسهولة، لأن ما يُقال فيها غالبًا صحيح في ذاته. غير أن التفكير المنطقي لا يكتفي بصحة النتائج، بل يسأل دائمًا: هل أُجيب عن المطلوب فعلاً؟ وهل أصاب السهم مرماه، أم اكتفى بإصابة هدف جانبي؟ إن إدراك هذه المغالطة ليس تمرينًا ذهنيًا مجردًا، بل أداة ضرورية لتمييز البرهان الحقيقي من الخطابة المريحة، والحجاج الصادق من الهروب المقنَّع من جوهر المسألة.
عن المقال: | استند هذا المقال إلى كتاب المغالطات المنطقية لـ عادل مصطفى، وتم توليد الصور الواردة فيه باستخدام نموذج DALL·E.



