عن الحنين
إن المرءَ يُهانُ بقدرِ حنينِه، تلكَ الحقيقةُ القاسيةُ التي لا يعترفُ بها أحد، لأنّ الحنينَ في ظاهره عاطفةٌ نبيلة، لكنّ باطنَه انكسارٌ خفيٌّ يلتهمُ كبرياءَ الإنسان. فما الحنينُ في جوهره إلا نوعٌ من العبوديّةِ للماضي، تقيّدُنا خيوطُه الشفافةُ بأيامٍ انقضت، وتغرزُ في القلبِ إبرَ الذكرى كلّما حاولَ أن يشفى.
إنّ أكثرَ الناسِ ضعفاً هو ذاك الذي يُقيمُ في ذاكرته أكثرَ مما يُقيمُ في يومه، الذي يمدُّ يده نحو زمنٍ لن يعود، كأنّه يتسوّلُ لحظةَ دفءٍ من شمسٍ أطفأها الغروب منذ دهر. إنّه لا يَعلم أنّ الماضي، مهما بدا جميلاً في الذهن، إنما هو مقبرةٌ يلمّعها الحنينُ حتى تبدو كحديقة. ومن يزورُ المقابرَ كلَّ يوم، لا يَقدرُ على العيشِ بين الأحياء.
الحنينُ إهانةٌ لأنّه يُعلنُ عجزنا، يفضحُنا أمام أنفسنا، يكشفُ كم نحنُ قابلون للانكسارِ باسمِ العاطفة. نحنُ نُهانُ حين نشتاقُ لمن لم يلتفت، نُهانُ حين نُقلّبُ الصورَ القديمة بحثاً عن حياةٍ لم تَعُدْ لنا، نُهانُ حين نغفو على صوتِ رسالةٍ لم تصل. إنّ كلَّ حنينٍ هو انحناءةُ روحٍ أمام ماضٍ لا يستحقُّ العودة.
من ذا الذي قال إنّ الشوقَ جميل؟ إنهُ جميلٌ فقط في الشعر، أمّا في الواقع فهو مرضٌ ناعم، يتسلّلُ كالعطرِ الخانق، يُربكُ النفسَ بين الرفضِ والرغبة، بينَ أن تُقاومَ وأن تستسلمَ لمشهدٍ يبتسمُ من وراء الزمن. وكلما ازدادَ الحنينُ، ازدادَ الذلّ الذي نُخفيه تحتَ قناعِ الوفاءِ والوفرةِ الشعوريّة.
يبدو الإنسانُ المشتاقُ كمن يُعانقُ ظلاً لا يُبادله العناق، كمن يُنادي في بئرٍ لا صدى فيها. وكلما طالَ النداءُ، اتّسعت الهوّةُ بينهُ وبينَ واقعه، حتى يغدو سجينَ لحظةٍ لم يَعد لها وجود. حينها يفقدُ المرءُ احترامهُ لذاته، لأنّ الحنينَ يُربّي فينا عادةَ الركوعِ لما فات، بدلَ أن يعلّمنا الوقوفَ لما هو آت.
يا لِسخريةِ الحنين، كم يجعلُنا أوفياءَ لأشياءٍ خذلتنا، وكم يُعيدُنا إلى أبوابٍ أُغلقت منذ زمن، فنطرقها بأيدينا المرتعشةِ ظناً منا أنّها ستُفتح. لكنّ الماضي لا يسمع، ولا يرحم. كلّ ما هناكَ صدًى بعيدٌ يُعيدُ إلينا أصواتَنا مشوّهةً بالحسرة.
إنّ الكرامةَ لا تُقيمُ في قلبٍ مُبتلٍّ بالحنين. الكرامةُ لا تحنّ، بل تنسى. تنظرُ إلى الوراء دونَ دمعة، تمضي بخطًى ثابتةٍ نحو ما لم يُكتَب بعد. أمّا أولئك الذين يسكنهم الحنينُ كطفيليٍّ رقيق، فهم يعيشونَ مهزومين أمامَ صورةٍ لا تتحرّك، وأمامَ شعورٍ لا يَكفّ عن إهانتهم لأنّهم لم يَقدروا على تجاوزه.
إنّ المرءَ يُهانُ بقدرِ حنينِه، لأنّ الحنينَ هو البابُ الذي نعودُ منهُ إلى ضعفنا القديم، إلى الهزيمةِ التي سمّيناها حبّاً، إلى الوجعِ الذي أقمنا له مزاراً في الذاكرة. وكلُّ من سجدَ لذاكرتهِ طويلاً، خسرَ حاضرهُ دون أن يستعيدَ ماضيه.
فيا من تُطاردُ ظلَّ الأمس، احذر أن تُصبحَ أنتَ ظلّاً في غدِك. وتذكّر دائماً: أنّ الكبرياءَ الحقيقي هو أن تشتاقَ دون أن تَحنّ، أن تتذكّرَ دون أن تعود، أن تمضي دون أن تلتفت. لأنّ العودةَ ليست حنيناً، بل استسلام.



أول مرة أشوف الموضوع من هالزاوية وبهالطريقة، صراحة شيء مُرعب! خلاني أعيد النظر وأفكر من جديد، كأن الصورة انقلبت فجأة وصرت أشوف التفاصيل اللي ما كنت منتبهة لها من قبل.