تخيل هذا المشهد وأنت تنظر إلى العالم من حولك؛ سترى أناسًا طيبين وآخرين سيئين، وقرارات صائبة وأخرى خاطئة وتشعر باطمئنان لأنك تعتقد أنك تفهم ما يحدث.
لكن ماذا لو كان هذا الفهم نفسه مجرد وهم؟؟
فالذي تراه ليس العالم كما هو ، بل نسخة مبسّطة منه صنعها عقلك. فالواقع أعقد بكثير مما تستطيع عقولنا استيعابه دفعة واحدة؛ إنه مليء بالتناقضات والالتباسات، ويقاوم أي تفسير نهائي أو فهم كامل.
لهذا يتدخل العقل باستمرار فيحذف ما يربكك ويصنّف الأشياء في قوالب جاهزة كالخير والشر، صحيح وخاطئ، صديق وعدو، ثم يحوّل هذا التعقيد الهائل إلى قصة متماسكة يسهل علينا العيش داخلها . وهنا يقع نوع من التزوير، لا بمعنى الكذب المتعمد، بل بوصفه تبسيطًا قاسيًا يختزل الواقع ويطمس كثيرًا من تعقيده.
ولماذا يفعل العقل ذلك؟
لأن مواجهة العالم بكل تعقيده قد تشلّ قدرتنا على الفعل. فلو أدركنا كل الاحتمالات وكل الملابسات ، وكل درجات الغموض، لترددنا في كل قرار، ولفقدنا الثقة في معظم أحكامنا، ولغرقنا في شك لا ينتهي.
لهذا لا يبتعد العقل عن الحقيقة حبًا في الكذب، بل لأنه يحاول أن يجعل الحياة ممكنة. فالإنسان لا يرى الحقيقة كما هي، بل ينتقي منها القدر الذي يستطيع احتماله ؛ نسخةً صالحة للاستعمال.
إننا لا نعيش في العالم كما هو، بل في عالم أعاد العقل تشكيله؛ عالم أكثر بساطة، وأكثر قابلية للفهم، وإن كان ذلك على حساب الحقيقة نفسها.
ومن هنا يدخل فريدريك نيتشه في كتابه ( ما وراء الخير والشر )، حيث يقترح فكرة جذرية وهي أن الإنسان لا يبحث عن الحقيقة كما يزعم، بل يبحث عن عالم يستطيع العيش فيه؛ عالم أقل قسوة من الحقيقة، وأكثر انسجامًا مع حاجاته، وأقرب إلى حدود قدرته على الفهم. إنه عالم جرى ترويضه ليصبح مفهومًا، حتى لو كان هذا الفهم قائمًا على قدر من التبسيط والتزوير.
ويعبّر نيتشه عن هذه الفكرة بقوله
( يا للبساطة المقدسة! أيّ عالم من التبسيط والتزوير هذا الذي يعيش داخله الإنسان! يكفي أن يفتح المرء عينيه على هذه الأعجوبة، كي يغدو تعجبه بلا نهاية. لكَم جعلنا كل شيء من حولنا واضحًا، حرًّا، سهلاً، وبسيطًا ! ولكَم سمحنا لحواسنا أن تمضي بحرية نحو كل سطحيّ، ومنحنا أفكارنا رغبة ألوهية في إنجاز قفزات بهلوانية، واستنتاجات خاطئة! وكيف توفّقنا منذ البداية في أن نظل محتفظين بجهلنا كي نستطيع أن نستمتع بقدر لا يكاد يُتصوّر من الحرية، واللامبالاة، والنزق، والحيوية، والمرح؛ كي نستطيع أن نستمتع بالحياة! على هذا الأساس الصلب وحده من الجهل كان علينا أن نؤسس العلم: إرادة العلم على أساس من إرادة أخرى أكثر سطوة؛ إرادة الجهل، واللايقين، واللا حقيقة، لا كنقيض للعلم الحقيقي، بل كصيغة أكثر لطفًا له. ولئن ظلت اللغة، هنا كما في كل موضع آخر، غير قادرة على التخلص من فجاجتها، بحيث تتكلم عن أضداد حيث لا يوجد غير درجات وتنوّع دقيق في المستويات ؛ ولئن كان النفاق الذي غدا الآن لحمًا ودمًا فينا قادرًا على تزوير الكلمات في أفواهنا جميعًا، بما في ذلك نحن العارفين، فإننا نظل ندرك ذلك بين الحين والآخر ونضحك، ونحن نرى كيف أن أفضل العلوم بالذات هي التي تريد أكثر من غيرها أن توثقنا إلى هذا العالم المبسّط، المصطنع من الأساس حتى القمة، المختلَق على قياسنا والمزوّر وفقًا لذلك، وكيف أنها تبجّل الخطأ طوعًا وكرهًا، لأنها، وهي المفعمة بالحياة، تحب الحياة. )
— ما وراء الخير والشر، ترجمة علي مصباح.



المشكلة مو بوجود هذا التبسيط، وانما لما ننسى أنه تبسيط ونعتبره الحقيقة الكاملة.