يظن البعض ان الامتناع عن الدخول في نقاشات التعليقات سببه الخوف من المواجهة أو العجز عن الدفاع عن الأفكار، أو الهروب من النقد، لكن الحقيقة أن الامتناع عن نقاش ما قد يكون أحيانًا قراراً عقلانياً، تماماً كما أن خوضه قد يكون قراراً غير عقلاني. فالوقت ليس مجرد ساعات تمر، بل هو رأس المال الوحيد الذي لا يمكن تعويضه وكل دقيقة تُستهلك في مكان ما تعني بالضرورة أنها لن تُستثمر في مكان آخر. لذلك، فإن السؤال الذي أطرحه على نفسي قبل أي نقاش ليس: “هل أستطيع الرد؟”، بل: “هل يستحق هذا النقاش أن أقتطع له جزءاً من حياتي أصلًا ؟”
في الغالب تكون الإجابة : لا.
والمشكلة ليست في الاختلاف فالاختلاف هو شرط طبيعي لأي تقدم فكري، وإنما المشكلة في غياب الأرضية المشتركة التي تجعل الحوار ممكناً، فالحوار ليس مجرد تبادل كلمات، بل هو عملية معرفية تتطلب أدوات كالقدرة على فهم النص، والتمييز بين الادعاء والدليل وبين الرأي والحقيقة ، وبين الاستنتاج والمقدمة، وبين الحجة والمغالطة. وعندما تغيب هذه الأدوات، يصبح النقاش شبيهاً بمحاولة تدريس الرياضيات لشخص لم يتعلم الأرقام بعد.
ولهذا فإن الرد على تعليق واحد قد يفرض عليّ أولاً أن أشرح معنى الدليل، ثم معنى العبء الإثباتي، ثم طبيعة المغالطات المنطقية، ثم كيفية بناء الاستدلال، قبل أن أصل إلى الفكرة الأصلية التي كنت أريد مناقشتها. وما إن أصل إليها حتى أجد الطرف الآخر قد فقد اهتمامه، أو توقف عن القراءة منذ الفقرة الأولى، أو اكتفى بوصف كل ما كتبته بأنه سفسطة أو هذيان أو لغط.
وليس لأنه دحض ما قلت، بل لأنه لم يمتلك الأدوات التي تمكّنه من فهمه.
وهذه ليست إهانة لأحد، بل حقيقة معرفية. فالإنسان لا يستطيع تقييم فكرة تقع خارج حدود مفاهيمه. وكثيراً ما يختلط على الناس عدم الفهم مع خطأ الفكرة، فيتصورون أن غموض الشيء بالنسبة إليهم دليل على بطلانه، مع أن الجهل بشيء لا يقول شيئاً عن حقيقة ذلك الشيء.
ثم إن مواقع التواصل الاجتماعي ليست فضاءً صُمم لإنتاج المعرفة، بل لإنتاج التفاعل. وخوارزمياتها لا تكافئ أفضل الحجة، وإنما تكافئ أكثرها إثارة للانفعال. فالجملة الساخرة تنتشر أكثر من البرهان، والاتهام أسرع من التحليل، والثقة بالنفس أكثر إقناعاً للجمهور من الدقة العلمية. وفي مثل هذه البيئة تتحول الحقيقة إلى منافس ضعيف أمام الضجيج.
ومن هنا يصبح النقاش عبثياً؛ لأنك لا تواجه شخصاً واحداً فحسب، بل تواجه أيضاً بنية كاملة صُممت لتكافئ الاختصار، والاستقطاب، واليقين الزائف.
ولعل أكثر ما يدفعني إلى العزوف عن هذه السجالات هو إدراكي أن المعرفة لا تُنقل بالإكراه. فالناس لا يغيّرون قناعاتهم لمجرد أن خصمهم غلبهم في النقاش، بل عندما يمتلكون استعداداً حقيقياً لمراجعة أفكارهم في ضوء الأدلة. الإنسان يغيّر أفكاره عندما يمتلك الرغبة في مراجعتها، لا عندما يُهزم أمام جمهور.
لهذا لا أرى أن دوري هو ملاحقة كل تعليق خاطئ لأصححه. فالعالم مليء بالأخطاء أكثر مما يسمح به عمر إنسان واحد. ولو جعلت من نفسي موظفاً لتصحيح كل مغالطة أراها، لما بقي لي وقت لأتعلم شيئاً جديداً، أو لأكتب فكرة تستحق البقاء.
أفضل أن أكتب مقالاً متماسكاً، أو دراسة صغيرة، أو نصاً يعرض الفكرة من جذورها. فمن أراد أن يفهم سيقرأه بإرادته، ومن لم يرد ذلك فلن يغير رأيه ألف تعليق إضافي. فالمعرفة لا تُقاس بعدد الخصوم الذين هزمناهم، بل بعدد العقول التي ساعدناها على التفكير بصورة أفضل.
ولهذا لا أناقش معظم العوام في مواقع التواصل الاجتماعي. ليس لأنهم عوام، ولا لأنني أزعم امتلاك الحقيقة أو أرى نفسي فوق الآخرين، بل لأن النقاش المثمر يحتاج إلى شروط نادراً ما تتوافر في تلك المساحات: فضول معرفي، وإنصاف، وصبر، واستعداد لتغيير الرأي إذا قادت الأدلة إلى ذلك.
أما حين يغيب كل ذلك، فلا يعود النقاش بحثاً عن الحقيقة، بل يصبح استعراضاً للآراء. وعندها يكون الصمت، في نظري، أكثر حكمة من الكلام، والانصراف إلى التعلم والكتابة أكثر نفعاً من الانتصار في جدال لا يغيّر شيئاً.
دُمتم بخير والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
♡ سامي شو -




فعلاً استفدت من مقالك ، كشف لي أشياء كثيرة كنت ما أنتبه لها خصوصًا فكرة أن المشكلة ليست دائمًا في الاختلاف بل في غياب أرضية مشتركة للحوار. وأيضًا أن السوشال ميديا تكافئ التفاعل أكثر من المعرفة وهذا يفسر لي كثير من النقاشات العقيمة التي أشوفها
مقال رائع