عن السعادة
كنتُ سعيداً لفترةٍ طويلة، أو على الأقل هكذا خُيّل إلي. أسهر حتى ساعات متأخرة من الليل أعدّ أطباقي الغريبة، أشاهد الأفلام والمسلسلات حتى مطلع الفجر هروباً من النوم، ثم يغلبني النعاس فأنام نوماً عميقاً حتى يوقظني صوت المنبه. أستيقظ نشيطاً متحمساً لبدء يوم جديد أفعل فيه ما أحب وما يسعدني. أخرج مع أصدقائي لألعب كرة القدم، ثم نغرق في ألعاب الهاتف، ونتحدث عما يثير حماسنا لليوم التالي. لقد كنت سعيداً مرتاحاً، لا يشغلني شيء.
لكن يوماً بعد يوم، بدأت أدرك ما حولي، بدأت أدرك مكر الناس ومشاكل عائلتي. يوماً بعد يوم، انطويت على نفسي هارباً من مواجهة واقع كئيب مسموم كنت ألهي نفسي عنه. حاولت اتباع نصائح الناجحين وتطبيق أقوالهم، وسرعان ما باءت محاولاتي بالفشل. وبعد ذلك، حاولت صنع سعادتي الخاصة، فاشتريت لنفسي حاسوباً لعلي أتعلم البرمجة وألهي بها نفسي، وقد نجح الأمر موقتاً. لكن بعد فترة، بدأت هذه السعادة في التلاشي، فشرعت بالبحث عن كيفية التخلص من الاكتئاب.
وجدت أن التقرب من الله قد يفيدني، رغم أنني لم أكن بعيداً، فتقربت أكثر وأكثر، وكان الأمر مريحاً في البداية. لكن مع الوقت، بدأت هذه الراحة تتلاشى وعاد الاكتئاب يتسلل تدريجياً. فقررت صنع بعض المعدات الرياضية، عسى أن تشغلني الرياضة عن أفكاري السوداوية وتخفف من اكتئابي، لكن دون جدوى.
وكنت قد سافرت إلى مصر في زيارة لعائلة أمي قبل ذلك، كانت الأيام الأولى رائعة وأنستني كل شيء، وكنت في قمة السعادة والراحة. لكن كما العادة، لا شيء يبقى على حاله. وعندما عدت من مصر، بدأت العمل، إنه عمل جيد وقد أبعدني عن المشاكل والصراعات في المنزل، لكن سرعان ما اشتد علي ضغط العمل، رغم أنه ليس مرهقاً، إلا أنني أصبحت لا أطيق الوجود هناك.
لقد بدأت بكتابة رواية منذ حوالي سنة، على أمل أن تخفف عني بعض ما أحمل، لكنها الآن مرمية في أحد مجلدات الحاسوب. أشعر وكأن العالم بأسره يعبث بي، لا يريدني أن أنجح في أي شيء، حتى في الموت. حاولت اللجوء إليه ثلاث مرات، لكنه خذلني في كل مرة.
صرت أتساءل: أين اختفت كل تلك الكتب التي قرأتها عن السعادة، والفلسفة، وتطوير الذات؟ لماذا تتبخر عند أول احتكاك بالواقع؟ لقد بحثت عن الراحة في كل مكان تقريباً في الله، في نفسي، في المال، في المتع العابرة، في الناس، وحتى في الحيوانات. ربما هناك أشخاص لا تُصنع السعادة لهم بسهولة، أو لا تستقر فيهم كما تستقر في الآخرين.
ومع ذلك، ها أنا ذا. لا زلت أتنفس. لا زال في داخلي شيء يرفض الاستسلام بالكامل. أحاول جمع ما يكفي من المال لأغادر هذه البلاد، لعلّ مكاناً آخر يمنحني ما لم أجده هنا. لكن السؤال الذي يؤرقني:
هل سأصل إلى شيء في النهاية؟
أم أن كل محاولاتي ليست سوى رحلة طويلة وبائسة نحو مجهول آخر؟



سؤال، هل كنت فعلاً تبحث عن السعادة مع الله ولم تجدها، أم إنك تتسلى فحسب وتجرب ثم تترك، هل فعلاً تعرف الله؟، هل تعرف من هو الله؟، هل تعرف ماهو الإسلام أم إنك ورثته وراثة؟، هل فعلت بعض الشعائر والعبادات التي هي ربما تكون أقرب للعادات والتقاليد اكثر منها عبادات فلذلك لم تجد سعادتك فيها أم إنك كنت صادق في عبادتك لا مجرد عادات؟، قد تبحث عن السعادة في كل مكان، قد تجدها في بعض الاماكن وقد لا تجدها في اخرى، قد تسعد يوما بشيء ثم يختفي، او تقل سعادتك به، او اي ظرف يقلل تلك السعادة، لكن السعادة مع الله شيء مختلف تماماً، اذا كنت تبحث فعلا عن السعادة مع الله عز وجل فلا يجب أن يكون الوضع تجريبي بل يكون مبني على علم وبصيرة لا على عادات وتقاليد ورثتها من المجتمع، وحتى ان قرأت وبحثت وتعمقت وتفقهت وأصبحت تعرف الله عز وجل حق المعرفة وعرفت الاسلام وفهمته لا كما يروج له الاعلام المضلل بل كما هو بحقيقته، لن تجد السعادة الدائمة فهذي الدنيا ليست دار سعادة، ولكنك ستجد منها، وستجد الطمأنينة وهذا أضمنه لك، وستجد الرضا، الصبر، وربما السعادة أيضا، لكن كن صادقا.