كثيرًا ما نرى الخلط بين مصطلحي:
(الارتباط / العلاقة) (Correlation / Association)
ومصطلح:
السببية Causation
وما ينجم عن هذا الخلط من مغالطات علمية ومنطقية أهمها مغالطة تُعرف بـ (الارتباط لا يعني السببية)
وبالإنجليزية:
(Correlation does not imply causation)
أو كما تسمى باللاتينية
“Cum hoc ergo propter hoc”
بمعنى “مع هذا، وبالتالي بسبب هذا” أي أن حدوث شيء مع شيء يعني أن أحدهما سبب للآخر.
وتستخدم هذه المغالطة كثيرًا لتفسير سبب حدوث أمر ما بأمر آخر ظهر أو حدث معه، أو لنسب الفضل في شيء ما لشيء آخر حدث معه.
أمثلة على هذه المغالطة:
- طائر البوم يظهر في الليل، والقمر يظهر في الليل، إذًا البوم يظهر بسبب ظهور القمر.
- يزداد أكل الآيس كريم في الصيف، وتزداد حالات حروق الشمس في الصيف، إذًا أكل الآيس كريم هو السبب في حروق الشمس.
- بلد ما متقدم معماريًا، أغلب أهل هذا البلد يعتنقون إيديولوجية ما، فهذا يعني أن سبب هذا التقدم هو هذه الإيديولوجية.
قد يسأل سائل: كيف نميز بين الارتباط والسببية؟
قد يكون هذا سهلاً كما في المثال الأول والثاني ولكنه صعب في المثال الثالث
في البداية دعونا نحرر المصطلحات:
السببية بين عاملين أو شيئين يعني أن بينهما علاقة سبب وتأثير، بحيث أن أحدهما سبب للآخر، بينما الارتباط لا يعني بالضرورة أن يكون أحدهما سببًا للآخر بل يكفي وجود ارتباط حدوث بينهما.
وحسب
Nature Journal
في مقالها:
Association correlation and causation
فإنه لا ينبغي الخلط بين الارتباط والسببية؛ فوجود سببية بين عاملين كأن نقول أن (أ) تسبب في (ب) يعني أن بينهم ارتباط والاثنين مرتبطان (تابعان). ومع ذلك العكس ليس صحيح، فمن الممكن أن تنشأ الارتباطات بين المتغيرات في وجود السببية (أ تسبب ب) أو غياب السببية (أي أن لديهم سببًا مشتركًا دون أن يكون أحدهما سببًا للآخر).
على سبيل المثال، في إحدى المقالات عن الشبكات البايزية
لوحظ أن الأشخاص الذين يشربون يوميًا أكثر من 4 أكواب من القهوة لديهم فرصة أقل للإصابة بسرطان الجلد. هذا لا يعني بالضرورة أن القهوة تقاوم السرطان، فقد يكون أحد التفسيرات هو أن الأشخاص يشربون الكثير من القهوة لأنهم يعملون في الداخل لساعات طويلة وبالتالي يتعرضون للشمس بشكلٍ أقل، والتعرض للشمس هو أحد مسببات سرطان الجلد. فإذا كانت هذه هي الحالة، فإن عدد الساعات التي تم قضاؤها في الهواء الطلق هو متغير مربك وهو سبب مشترك لكلا الملاحظتين. في مثل هذه الحالة، لا يمكن استنتاج علاقة سببية مباشرة؛ وعندها يقترح الارتباط كمجرد فرضية، مثل سبب مشترك، لكنه لا يستخدم كدليل. لذا عند دراسة العديد من المتغيرات في الأنظمة المعقدة، يمكن أن تنشأ ارتباطات زائفة، وبالتالي، فإن الارتباط لا يعني السببية.
في اللغة اليومية وفي كثير من الثقافات، يتم استخدام ( التبعية/الاعتماد ) و ( الارتباط ) و ( العلاقة ) ككلمات بمعنى تبادلي أي تُستخدم بالمعنى نفسه. لكن من الناحية الفنية، فإن الارتباط مرادف (للتبعية/الاعتماد) ويختلف عن العلاقة.
فالارتباط هو علاقة عامة جدًا: حيث يوفر أحد المتغيرات معلومات عن الآخر. أما العلاقة أو الارتباط التبادلي هو أكثر تحديدًا: ففيها المتغيرين يُعتبران متعلقين ببعضهما عندما تُشكل العلاقة بينهما اتجاهًا متزايدًا أو متناقصًا، أي بازدياد أحدهما يزداد الآخر فتكون العلاقة إيجابية أو بازدياد أحدهما يقل الآخر فتكون العلاقة سلبية.
البعض يعتبر العلاقة هي تحديد لقوة الارتباط عبر ما يسمى معامل الارتباط/العلاقة
Coefficient
والذي يأخذ قيمة بين
+1 (Positive Correlation) و-1 (Negative Correlation).
فظهور البوم والقمر مثلًا بينهما ارتباط ولكن ليس بينهما علاقة فازدياد ظهور أحدهما لا يرتبط بازدياد أو نقصان ظهور الآخر.
وهنا نعود إلى السببية، فالسببية هي نوع من الارتباط ولكن ليس كل ارتباط يعني وجود علاقة أو سببية، فقد وُجدت علاقة سلبية بين معدلات الطلاق في البحرية ومعدل استهلاك السَمنة، فهل السَمنة هي السبب؟
وعلاقة إيجابية بين شهادات الدكتوراه في الهندسة المدنية ومعدل استهلاك جبنة الموتزاريلا، فهل جبنة الموتزاريلا هي السبب؟؟
إذًا ما هي المعايير التي عبرها نقول أن علاقة بين عاملين هي علاقة سببية؟
عام ١٩٦٥، نشر السير (أوستن برادفورد هيل) تسع “وجهات نظر” للمساعدة في تحديد ما إذا كانت الارتباطات الوبائية الملحوظة سببية. ومنذ ذلك الحين، أصبحت “معايير برادفورد هيل” الإطار الأكثر تكرارًا للاستدلال السببي في الدراسات الوبائية (رابط المنشور).
أدت التطورات في علم الوراثة، والبيولوجيا الجزيئية، وعلم السموم، وعلم التعرض، والإحصاء إلى زيادة قدراتنا التحليلية لاستكشاف العلاقات المحتملة بين السبب والنتيجة، وتمت إعادة تقييمه لكيفية تفسير كل معيار من معايير “برادفورد هيل” عند النظر في مجموعة متنوعة من أنواع البيانات التي تتجاوز دراسات علم الأوبئة الكلاسيكية كما في عدة دراسات منها الصحية كما في هذا البحث حول التطبيق على الأوبئة
وهذا البحث حول التطبيق في الطب النفسي العصبي
.Applying Bradford Hill’s Criteria for Causation to Neuropsychiatry
إذًا ما هي هذه المعايير؟
ذكر “برادفورد هيل” تسع معايير وأحيانًا يضاف إليها معيار عاشر، وهي
1. القوة Strength (حجم التأثير Effect Size):
كلما كان الارتباط أكبر، كلما زاد احتمال كونه سببيًا.. ولكن الارتباط الصغير لا يعني أنه لا يوجد تأثير سببي.
2. الاتساق Consistency (إمكانية إعادة الإنتاج):
النتائج المتسقة التي لاحظها أشخاص مختلفون في أماكن مختلفة مع عينات مختلفة بين العاملين تقوي احتمال حدوث تأثير، وكذلك إمكانية إعادة إنتاج العوامل نتيجة لبعضها البعض في أماكن أخرى وتجارب أخرى يزيد احتمال كون الارتباط سببي.
3. الخصوصية Specificity:
يزداد الاحتمال في كون العلاقة سببية كلما كانت المجموعة محددة أكثر ومضبوطة أكثر ومخصصة أكثر وليست مفتوحة للعديد من المؤثرات الأخرى التي قد تكون السبب.
4. الوقتية Temporality:
يجب أن يحدث التأثير بعد السبب وإذا كان هناك تأخير متوقع بين السبب والنتيجة المتوقعة، فيجب أن يحدث التأثير بعد هذا التأخير، لذا موضوع التراتبية والتزامنية أمر مهم لتحديد نوع العلاقة.
5. التدرج البيولوجي Biological gradient (العلاقة بين الجرعة والاستجابة dose-response relationship):
يجب أن يؤدي التعرض الأكبر بشكل عام إلى حدوث تأثير أكبر إما سلبًا أو إيجابًا، أي إذا كان أحد العوال سببًا للآخر فازدياد العامل سيزيد التأثير سواءً كان التأثير سلبي أو إيجابي.
6. المعقولية Plausibility:
الآلية المعقولة بين السبب والنتيجة مهمة وطبعًا هي متعلقة بالمعرفة الحالية، ولكن لا يمكنك فرض آلية غير منطقية أو التحجج بأنه يوجد آلية لكن لا نعرفها.
7. التماسك Coherence:
يزيد التماسك بين النتائج على الأرض ونتائج التجارب من تأكيد أو نفي نوعية التأثير وهل هو سببي أو لا.
8. التجربة Experiment:
من المفيد اللجوء إلى الأدلة التجريبية.
القياس والتشبيه Analogy: يمكن استخدام أوجه التشابه أو التشابهات بين الارتباط المرصود المراد معرفة نوعه وأي ارتباطات أخرى معروفة النوع.
9. المعكوسية Reversibility:
وهو المعيار العاشر الذي يضيفه بعض المؤلفين ويقصد بالمعكوسية أو إمكانية الانعكاس أنه إذا تم حذف السبب من العلاقة السببية، فيجب أن يختفي التأثير أيضًا.
ومن هنا نرى أن ظهور شيئين مع بعضهما البعض لا يعني بالضرورة أن العلاقة بينهما هي علاقة سببية وأن أحدهما ينتج عن الآخر فالارتباط لا يعني السببية دومًا Correlation does not imply causation.







