هذه المغالطة تبدأ من فكرة تبدو معقولة جدًا للوهلة الأولى، إذا كان الناس يفعلون شيئًا منذ زمن طويل، أو إذا كان الآباء والأجداد قد آمنوا بفكرة معينة وتوارثتها الأجيال جيلاً بعد جيل، فلا بد أن هذه الفكرة صحيحة أو أن هذه الممارسة سليمة.
نحن نسمع هذا النوع من الكلام باستمرار: "هكذا وجدنا آباءنا"، "هذه عاداتنا منذ مئات السنين"، "لو كانت خاطئة لما استمرت كل هذا الوقت". ومن هنا تنشأ المغالطة؛ لأن عمر الفكرة أو قدمها لا يخبرنا في حد ذاته إن كانت صحيحة أم خاطئة، تمامًا كما أن عمر الإنسان لا يجعله صادقًا في كل ما يقول. صحيح أن بعض الأشياء القديمة قد تكون نافعة ومفيدة، لكن هذا لا يعني أن كل ما هو قديم صحيح بالضرورة. فلو كان القِدم دليلًا على الصحة لما تخلت البشرية يومًا عن أي فكرة ورثتها من الماضي، بينما تاريخ الإنسان كله هو قصة طويلة من التخلي عن أفكار كانت راسخة لقرون ثم اكتُشف أنها خاطئة. لقد آمن البشر زمنًا طويلًا بأن الأرض ثابتة وأن الشمس تدور حولها، وآمنوا بأن الأمراض تسببها الأرواح الشريرة والسحر، وآمنوا بأن القلب هو مركز التفكير والعقل، ومارسوا الرق ووأد البنات وعادات كثيرة استمرت أزمانًا طويلة، ومع ذلك لم يمنحها عمرها الطويل أي حصانة من الخطأ. المشكلة أن الإنسان بطبيعته يميل إلى الشعور بالأمان في المألوف، فالتقليد لا يقدم نفسه بوصفه مجرد خيار من الخيارات، بل بوصفه الطريق الذي سلكه الجميع قبلك، الطريق الذي اختبره الآباء والأجداد ونجوا به وعاشوا من خلاله.
ولهذا يشعر الإنسان أن الخروج عن المألوف مغامرة، وأن اتباع العادة أكثر أمنًا وأقل تكلفة من إعادة التفكير في كل شيء من الصفر. فبدل أن يسأل المرء لماذا نفعل هذا، يكتفي بالقول إن الناس كانوا يفعلونه دائمًا.
وهكذا تتحول التقاليد مع الزمن من حلول عملية لظروف معينة إلى مسلمات لا يناقشها أحد. في البداية كانت كثير من العادات مجرد استجابات لمشكلات واقعية واجهت الناس، ثم تكررت حتى أصبحت جزءًا من الثقافة، ثم نسي الناس الأسباب التي أوجدتها أصلًا وبقيت العادة وحدها.
ومع مرور الأجيال تبدأ التقاليد في اكتساب نوع من القداسة غير المعلنة، فيصبح مجرد التساؤل عنها أمرًا يثير الاستغراب أو الرفض. كأن السؤال نفسه خطأ، لا لأن الإجابة موجودة، بل لأن أحدًا لم يعد يتذكر أصل السؤال. وقد انتبه الفيلسوف فرنسيس بيكون إلى هذه المشكلة منذ قرون، فرأى أن الناس يبالغون في تقديس القدماء لمجرد أنهم قدماء، بينما الحقيقة قد تكون معاكسة تمامًا.
كان بيكون يقول إننا نسمي الإغريق والرومان وغيرهم "القدماء"، لكن لو نظرنا إلى الأمر من زاوية مختلفة لوجدنا أن القدماء هم في الحقيقة شباب العالم لا شيوخه. فالعالم اليوم أكبر سنًا من العالم قبل ألفي عام، وقد راكم من الخبرات والتجارب والمعارف ما لم يكن متاحًا للأمم القديمة. فإذا كنا نثق بخبرة الإنسان المسن أكثر من خبرة الطفل لأنه عاش أكثر ورأى أكثر، فلماذا نفترض أن العصور الأولى كانت تعرف أكثر من العصور اللاحقة؟ لقد كان بيكون يرى أن من المؤسف أن يكتشف الإنسان القارات والبحار والنجوم بينما يبقى أسيرًا لأفكار القدماء وكأن المعرفة توقفت عندهم. لكن الأمر ليس بهذه البساطة أيضًا، فالتقاليد لم تنشأ كلها من فراغ أو من جهل، وهنا تظهر نقطة أكثر عمقًا. لقد لاحظ علماء الاجتماع أن كثيرًا من العادات القديمة نشأت أصلًا لأنها كانت نافعة في ظروف معينة. البشر الأوائل كانوا يجربون طرقًا مختلفة للحياة، وما ينجح منها كان يستمر وينتقل إلى الأبناء، أما ما يفشل فيختفي. وهكذا نشأت الأعراف والتقاليد. ولذلك فإن بعض العادات القديمة قد تكون بالفعل قد اجتازت ما يسمى "اختبار الزمن". أي أنها استمرت لأنها ساعدت الناس على التكيف مع بيئتهم وحل مشكلاتهم.
لكن الخطأ يبدأ عندما ننسى أن هذه العادات نجحت في ظروف محددة، ثم نفترض أنها ستظل ناجحة إلى الأبد مهما تغيرت الظروف. فالعادة التي كانت نافعة قبل ألف سنة قد تصبح ضارة اليوم إذا تغير العالم الذي وُلدت فيه. تخيل دواءً كان ممتازًا لعلاج مرض معين، ثم اختفى المرض نفسه، فهل يبقى تناول الدواء ضروريًا؟ بالطبع لا. ولهذا فإن النجاح السابق لا يضمن النجاح المستقبلي.
خذ مثلًا عادة أكل الباقلاء (والباقلاء تعني الفول الكبير ببساطة) في بعض المناطق التي كانت تنتشر فيها الملاريا. تبين لاحقًا أن لهذه العادة علاقة غير مباشرة بميزة وراثية تساعد بعض الناس على مقاومة المرض، ولذلك استمرت أجيالًا طويلة. لكن لو اختفت الملاريا من تلك المناطق فلن يبقى السبب نفسه قائمًا. ومثل ذلك عادات غذائية كثيرة كانت مناسبة لعصور الفقر وشح الموارد، لكنها قد تصبح مؤذية في عصر الوفرة وقلة الحركة. وحتى الأدوار الاجتماعية التقليدية قد تكون نشأت في ظروف اقتصادية وتقنية مختلفة تمامًا عن ظروفنا الحالية، ولذلك لا يكفي القول إن الناس كانوا يفعلون هذا دائمًا، بل يجب أن نسأل: هل الأسباب التي جعلتهم يفعلونه ما زالت موجودة أصلًا؟ هنا يصبح النقد ضروريًا. فالتقاليد ليست مقدسة لأنها قديمة، وليست باطلة لأنها قديمة أيضًا، بل يجب أن تُفحص على ضوء الواقع الحالي. فبعضها يثبت أنه ما زال صالحًا، وبعضها يتبين أنه فقد مبرره منذ زمن طويل.
وهناك مشكلة أخرى أكثر خطورة، وهي أن بعض التقاليد لا تستمر لأنها نافعة فعلًا، بل لأنها تخدم مصالح فئات تملك السلطة أو النفوذ. فقد تتحول العادة إلى أداة للحفاظ على وضع اجتماعي معين، وتصبح مقاومة التغيير جزءًا من حماية مصالح المستفيدين من الوضع القائم. عندئذ لا يعود استمرار التقليد دليلًا على نجاحه، بل ربما يكون دليلًا على قوة من يفرضونه. ولهذا شدد مفكرون مثل يورغن هابرماس على ضرورة التمييز بين تقليد استمر لأنه أثبت نفعه، وتقليد استمر لأنه محمي بالقوة أو الهيمنة أو الخوف من التغيير.
ومن الأسباب التي تجعل الإنسان شديد التعلق بالتقاليد أن معظمنا يتعلمها في طفولته، في المرحلة التي نكون فيها أكثر ضعفًا واعتمادًا على الآخرين. الطفل يتلقى أفكار أسرته ومجتمعه قبل أن يمتلك القدرة على نقدها أو فحصها، فتترسخ في أعماقه باعتبارها حقائق طبيعية لا تحتاج إلى برهان. وعندما يكبر قد يشعر أن التشكيك فيها ليس مجرد مراجعة لفكرة، بل اعتداء على جزء من هويته وذكرياته وشعوره بالأمان. ولهذا يكون تغيير الأفكار الموروثة صعبًا نفسيًا حتى عندما تكون الأدلة ضدها قوية. ومع ذلك فإن تاريخ البشرية كله يؤكد أن التقدم لم يحدث لأن الناس تمسكوا دائمًا بما ورثوه، بل لأنه كان هناك دائمًا أشخاص امتلكوا الشجاعة الكافية ليسألوا: لماذا؟ هل هذا صحيح فعلًا؟ هل يمكن أن يكون هناك طريق أفضل؟ ولو لم يوجد مثل هؤلاء لبقي الإنسان حبيسًا لأخطاء أسلافه إلى الأبد.
لكن من المهم أيضًا ألا نقع في الخطأ المعاكس، وهو الاحتكام إلى الجِدة. فكما أن بعض الناس يظنون أن القديم صحيح لأنه قديم، يظن آخرون أن الجديد صحيح لأنه جديد. فيقول أحدهم إن هذه الفكرة أفضل لأنها حديثة، أو إن هذا المنتج أفضل لأنه الأحدث، أو إن هذه النظرية أصح لأنها ظهرت مؤخرًا. وهذه مغالطة أخرى لا تقل ضعفًا عن الأولى. فالجِدة وحدها لا تجعل الشيء جيدًا، كما أن القِدم وحده لا يجعله جيدًا. فالأفكار الجديدة قد تكون رائعة وقد تكون كارثية، والأفكار القديمة قد تكون حكيمة وقد تكون بالية. المعيار الحقيقي ليس العمر، لا عمر الفكرة ولا عمر العادة، بل الأدلة والنتائج والقدرة على الصمود أمام النقد والاختبار. لذلك لا ينبغي أن نسأل: هل هذه الفكرة قديمة أم جديدة؟ بل ينبغي أن نسأل: هل هي صحيحة؟ هل ما زالت تحقق الغرض الذي وُجدت من أجله؟ هل تصمد أمام الفحص والنقد؟ وعندما يصبح هذا السؤال هو عادتنا اليومية، يصبح النقد نفسه هو التقليد الأجدر بأن نورثه للأجيال القادمة.
انظم لقناة التيلجرام خاصتي
دُمتم بخير ♡ سامي شو
حول المقال/
تمت الاستفادة في هذا المقال من كتاب المغالطات المنطقية لـعادل مصطفى، وتم إنشاء صورة الغلاف باستخدام نموذج
DALL·E



مقال رائع ويخدم موضوع طرحته على أحد الاصدقاء كان محوره عن بعض الممارسات الأجتماعية حالياً في تفرقة التعامل بين الجنسين وأتاني الرد من الطرف الأخر في أية من القرآن الكريم قال (وليس الذكر كالأنثى)
وأجبته أنا بمعرفتي المتواضعة بأن اللي قالت الجملة هذي امرأة عمران (أم السيدة مريم عليها السلام) بالتالي الكلام هذا تعبير بشري مو قاعدة عامة أو حكم مطلق
والسبب انها كانت ناذرة اذا اللي ببطنها ولد بتخليه يخدم بيت المقدس لكنها جابت بنت ووقتها اجتماعيا اللي يخدمون المساجد الذكور عكس الان..
يعني تعبير بشري يخدم واقع اجتماعي في زمن معين.. كيف خليتوه قاعدة؟
واصلا الكاف مرتبطه بالانثى يعني التفضيل لها وفقًا لقواعد اللغه
غير كذا مايدرون ان القرآن ينقل حتى الأقوال الخاطئة ويعرض طريقة تفكير البشر عشان يرد عليها او يصححها
يحسبون اللي قال وليس الذكر كالأنثى رب العالمين.. ماقاله اللّٰه اللي قالته امرأة عمران ومو تنقيصاً بالإناث ولا تمييز ولا أفضلية
هي كانت عاقر يعني عقيم ما تنجب ف نذرت لله اذا حملت بتخليه خادم لبيت المقدس بس يارب ارزقني.. ورزقها اللّٰه وجابت بنت ف تساءلت كيف بيتحقق نذرها؟ واللي يخدمون بيت المقدس في هذاك الوقت كانوا فقط ذكور
لكن ترديد الكلام والقرآة دون تدبر وتفسير هو الي يسبب هالشيء
ايضاً ان اللي قال ( إن كيدكن عظيم) هو عزيز مصر مو رب العالمين.. والقرآن حكى المشهد، مو كل جملة في القران هي خطاب إلهي مباشر
أحيانًا القران ينقل قول نبي مثل قول ابراهيم عليه السلام (ربِ أرني كيف تحيي الموتى) وأحيان قول إنسان عادي مثل عزيز مصر ( إن كيدكن عظيم) وأحيان قول خاطئ مثل ( اتخذ اللّٰه ولداً)
وحتى الموضوع الجدلي في تعدد الزوجات ينسون الاصل فيه وهو انه في زمن الرسول عليه الصلاة والسلام كان الجهاد اساساً وتُخلف الحرب الكثير من الأرامل والايتام وذلك الوقت لا يعول الأسرة الا رب الأسرة لذلك من استطاع ان ينكح أرملة ويكفل يتيمها كان خير الناس
لكن في زمننا الحالي اختلف الوضع نحن في زمن أمن وأمان والأمراة تعول نفسها وابنائها ومن اراد ان يعدد عليه ان يعدل، لكن للأسف يتم ترديد عبارة الشرع حلل أربع بلا وعي دون فهم السياق الكامل، كمثل أمور كثيرة اعتادها الناس دون فهمها، ومن المؤسف ان يكون هذا بالقرآن الكريم
في كم كشك تساوم حتى تشتري الخضار؟ ولكن حين يتعلق الأمر بالشريعة والدين نكتفي بأي رجل مُلتحي يتكلم في مسجد الحي.
معرفياً؛ يُفسر علم النفس تمسكنا بالقديم بميل الدماغ البشري لتوفير الجهد التحليلي، مما يخلق حاجزاً نفسياً وهمياً يعيق التفكير النقدي المستقل.
فلسفياً؛ تتفق الإبستمولوجيا المعاصرة على أن معيار الحقيقة يكمن في الفحص القائم على الدليل والمنفعة الحالية، متجاوزين مغالطتي تقديس الماضي والانبهار الأعمى بالجديد.