الإبادة المنسية
كيف محَت السلطنة العثمانية نصف شعبٍ، ثم ترك العالم قصتهم تذروها الرياح
هناك في زاوية التاريخ المظلمة، رُميت جريمة بشعة عمدًا في الظل، كما لو أن الدماء التي سالت لا تستحق أن تُذكر. إنها “سيفو” الكلمة السريانية التي تعني «/السيف، لكنها هنا ليست مجرّد أداة، بل عنوان مرحلة كاملة من الذبح الممنهج. بين عامي 1915 و1923، وفي خضم الحرب العالمية الأولى، تعرّض السريان، والآشوريون، والكلدان، إلى واحدة من أوسع وأقسى موجات الإبادة الجماعية في القرن العشرين، على يد السلطنة العثمانية، وبمشاركة ميليشيات وجماعات محلية.
يُقدّر المؤرخون أن عدد الضحايا تراوح بين 250,000 و500,000 شخص، أي نصف الشعب السرياني تقريبًا. لم يكن هؤلاء جيوشًا في ساحة قتال، بل مدنيين؛ قرويين، تجارًا، فلاحين، شيوخًا، وأطفالًا. لم تُترك لهم فرصة للاختيار: إما القتل، أو التهجير، أو الإسلام القسري.
لكن ما يثير الغضب ليس حجم الجريمة فحسب، بل حجم النسيان. فعلى عكس الإبادة الأرمنية التي لاقت قدرًا من الاعتراف الدولي، بقيت سيفو محصورة في ذاكرة الناجين وأحفادهم، وكأنها حادثة محلية صغيرة لا تعني العالم.
حين قررت السلطنة أن التنوع خيانة
كانت نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين مرحلة انحسار حاد للإمبراطورية العثمانية. الهزائم العسكرية والانكماش الجغرافي زرعت هوسًا بالسيطرة الداخلية، ودفعت ترركيا اوالقوميين العثمانيين إلى ترويج فكرة الدولة الموحّدة عرقيًا ودينيًا. أي أقلية مسيحية سواء كانت أرمنية أو سريانية أو يونانية كانت تُرى كطابور خامس، وذريعة جاهزة لتبرير القمع.
في هذا المناخ الموبوء، لم يكن السريان سوى عقبة حضارية وثقافية أمام مشروع التتريك والأسلمة القسرية. كانت لغتهم السريانية، وتراثهم الممتد منذ آلاف السنين، وكنائسهم التي تعود للعصور الأولى للمسيحية، هدفًا مباشرًا للتدمير، لا صدفةً جانبية.
وخلال عام 1915، ومع انشغال العالم بالحرب الكبرى، أطلقت السلطات العثمانية عمليات اعتقال، إعدامات جماعية، ومسيرات موت، طالت القرى السريانية في مناطق مثل طور عبدين، ماردين، نصيبين، أورفا، وديار بكر. كان’السيف’ أداة القتل الأبرز، لا الرصاص، لتقليل تكلفة الإبادة ولزرع الرعب النفسي.
لم تكن الإبادة مجرد فعل سلطوي مركزي، بل تحوّلت إلى تحالف بين الدولة وبعض القبائل الكردية الموالية لها، التي شاركت في المداهمات والسلب والنهب، مدفوعة بمزيج من التحريض الديني والطمع في الأرض والممتلكات.
حتى شمال غرب إيران لم يسلم، إذ عبرت القوات العثمانية الحدود، وارتكبت مجازر في القرى الآشورية والسريانية، مكمّلةً دائرة القتل.
المحو الثقافي: قتل الجسد وإعدام الذاكرة
لم تكن المجازر تستهدف البشر فقط، بل الثقافة والهوية. الكنائس أُحرقت أو حُولت إلى مساجد أو مخازن، المخطوطات السريانية أُتلفت، والمدارس أُغلقت. النتيجة: تراجع سكاني وثقافي حاد جعل السريان اليوم أقلية صغيرة مشتتة، بعدما كانوا أحد المكوّنات الأساسية في الشرق الأوسط.
هنا يكمن الجزء الأكثر قسوة في القصة: الصمت.
على مدار قرن، لم يحصل السريان على اعتراف دولي واسع بجريمتهم. تركيا الحديثة – الوريثة السياسية للسلطنة – تنكر الأمر جملة وتفصيلاً، والعديد من الدول الكبرى تتجنب الاعتراف لأسباب سياسية، كما حدث مع الإبادة الأرمنية.
الصمت لا يقل خطورة عن الجريمة نفسها، لأنه يترك الباب مفتوحًا لتكرارها. حين تُمحى جريمة من الذاكرة الجمعية، تتحول إلى “خرافة”في نظر الأجيال الجديدة، وتضيع العدالة إلى الأبد.
ولأن النسيان جريمة ثانية. لأن نصف شعب قُتل، ومئات القرى مُسحت من الخرائط، وحضارة كاملة وُضعت على المقصلة، والعالم – حتى اليوم – يتصرّف وكأن شيئًا لم يحدث. تذكّر (سيفو) ليس فقط واجبًا أخلاقيًا تجاه الضحايا، بل هو تحصين للمستقبل من تكرار الكارثة.
إن سيفو ليست مجرد مأساة تاريخية، بل فضيحة أخلاقية مستمرة: جريمة قتل جماعي بلا عقاب، بلا اعتراف، وبلا ذكر في كتب التاريخ المدرسية. لعل الأسوأ من القتل هو أن يموت الإنسان مرتين؛ الأولى بالسيف، والثانية بالنسيان.


