أنا كما أنا: شهادة إنسانية بلا تصنع
إنسان طبيعي
أنا إنسان طبيعي يبكي ويضحك، يحزن ويفرح. أحيانًا أشعر بالغيرة من رجال في عمري، لأنهم يمتلكون ما لا أملك، أو لأن عائلاتهم مترابطة، بعكس عائلتي.
أنا شخص يحمل في داخله تناقضات كثيرة؛ أكره بعض البشر وأتمنى لهم الحزن لأنهم جرحوني أو أهانوني، وأكره بعض الحيوانات بسبب حساسية أنفي، وفي الوقت نفسه، أنا شخص جيد أحب مساعدة الآخرين ماديًا ومعنويًا، وأحب رعاية الحيوانات وإسعاد الأطفال ورؤية أحبائي سعداء حين أقدم لهم كلمة طيبة أو هدية بسيطة.
أمارس الرياضة، لكن ليس يوميًا، إذ أحيانًا ينتصر عليّ الكسل فأوقف المنبه لأكمل نومي، رغم أني في الحقيقة أبقى مستيقظًا، ويلازمني شعور الذنب لتفويتي وقت التمرين.
لا أحب الحلويات ولا الأطعمة السريعة الغنية بالدهون لأنها تفسد بشرتي وتبرز بطني، لكنني أتناولها أحيانًا بإفراط حتى تظهر البثور، وأقول لنفسي "لقد طفح الكيل، سأمتنع عنها للأبد"، ثم أعود إليها. مع ذلك، أدرك أن تناولها يفرحني أكثر مما يضرني، وأعلم أن هذا خطأ، لكنني أؤمن بأنني أريد أن آكل ما أشتهي مادام غير محرم.
أحيانًا أشعر بالكسل حتى في العناية بنفسي؛ أغسل أسناني بالماء فقط، رغم نصيحة الطبيب بالاستمرار في استخدام الفرشاة والمعجون لتجنب التسوس.
أرغب أحيانًا في إطالة شعري، وأحيانًا أخرى أريد حلقه بالكامل أو تحليقه بطريقة عصرية، ولكن كسلي يدفعني إلى ارتداء القبعة عند الخروج بدلاً من تسريحه.
أحب ارتداء القمصان، لكن الكي يجعلني أرتدي التيشيرت بدلًا منها، لأنه لا يحتاج إلى كوي.
عندما أكون وحدي، أتحدث مع نفسي بكلمات عشوائية، وأحيانًا أرقص دون موسيقى، ربما أبدو مجنونًا.
أتصفح مواقع التواصل بلا هدف حتى تؤلمني عيناي، وأحيانًا أحذف التطبيقات وأبتعد عنها لأشهر. أبدأ بقراءة كتاب ليومين ثم أتركه جانبًا، ربما لأنه ممل.
أحب سماع الأغاني الأجنبية القديمة، لكني أكره العربية. أحيانًا أشعر بحب الطبخ لدرجة أنني أجرب وصفات جديدة يوميًا، وأحيانًا لا أطبخ لأسابيع.
أصلي في المسجد يوميًا جميع الصلوات، لكن أحيانًا أشعر بالكسل فأؤدي الصلاة في المنزل، وأحيانًا تتوقف صلاتي لأيام. كذلك، أحيانًا أحفظ أجزاء من القرآن لشهور متتالية ثم أتوقف لفترات أخرى.
أحب الكتابة كثيرًا، فأحيانًا أكتب أكثر من مقال في يوم واحد، وأحيانًا أخرى لا أكتب حرفًا طوال أسابيع.
فهل أنا إنسان طبيعي؟
في داخلي، أعيش صراعًا دائمًا بين الرغبة في التغيير والكسل الذي يعيقني. أريد أن أكون أفضل، أن ألتزم بالعادات الصحية، أن أكون أكثر انتظامًا في حياتي، لكني أحيانًا أتخلى عن هذه الأحلام بسهولة، وأجد نفسي أسير في دوامة من التأجيل والتهرب.
أشعر أحيانًا بأنني غريب بين الناس، لا أنتمي تمامًا إلى هذا العالم ولا إلى ذاك. أتصارع مع مشاعر الوحدة، وأبحث عن معنى أعمق في الأشياء التي أفعلها، في العلاقات التي أبنيها، وفي اللحظات التي أعيشها.
أجد نفسي أحيانًا أسأل: لماذا أشعر بالغيرة؟ لماذا أحتفظ بهذه المشاعر السلبية تجاه الآخرين؟ هل هي دفاع عن نفسي أم مرآة لجروحي التي لم تلتئم؟ أسئلة بدون إجابات واضحة، لكنها جزء من رحلتي لفهم نفسي.
في مواجهة الحياة، أحيانًا أتصرف بعفوية، وأحيانًا أخرى أتردد وأتراجع. أحتضن ضعفي كما أحتضن قوتي، لأنني أؤمن أن الإنسان الطبيعي ليس كاملاً، بل هو كائن يتعلم، يخطئ، ويتطور.
ربما ليس لدي كل الإجابات، لكنني أملك الشجاعة لأكون صادقًا مع نفسي، وأقبل نفسي بكل تناقضاتي.
وهذا، في النهاية، ما يجعلني إنسانًا طبيعيًا.
أن تكون إنسانًا طبيعيًا يعني أن تحيا في قلب التناقض، أن تحتضن ضعفك وقوتك في آنٍ معًا، وأن تقبل أن الكمال وهم لا يدركه سوى من غاب عنه الإدراك. في هذا الامتزاج العميق بين الألم والفرح، بين الشك واليقين، تكمن الحقيقة الوحيدة التي لا جدال فيها: أننا جميعًا مسافرون على درب لا يخلو من العثرات، ولكن بصدقنا مع أنفسنا، وبوعي نضجنا، نصنع من هذه العثرات خطوات نحو الحكمة.
القبول الذاتي ليس هروبًا من المسؤولية، بل هو بداية لكل تحول حقيقي، ومرآة نرى فيها ذاتنا بلا رتوش، لنختار بناء ذاتٍ تنمو على أسس العقل والصدق.
فإذا كان الإنسان الطبيعي هو ذلك الكائن الذي يتلوّن بين البكاء والضحك، بين الحزن والفرح، فإنني أرتضي أن أكون واحدًا منهم، أعيش تجربتي بلا تمثيل، وأمضي في رحلة الحياة بحذر وجرأة، باحثًا عن توازن يجعلني أقرب إلى نفسي الحقيقية.
دمتم بخير والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته



هذه الرحلة البشرية التي لا يرغب الكثير من البشر بالإعتراف فيها -بإختلاف تفاصيل الرحلة-
لامسني هذا القدر من الحقيقة، وهذا القدر من الصدق مع الذات.
أؤمن أن السعي والمحاولات لا تغفلها عين الله، وأنها عند الله محسوبة
I liked your topic 🤍