ومن ادعى فعليه الدليل..
مغالط عبء الاثبات او قلب عبء الاثبات، ويقال باللاتينية
Onus probandi
وبالانجليزية:
The burden of proof Fallacy
مغالطة عبء الاثبات عبارة عن خطأ منطقي ومنهجي يحدث عندما يطلب منك شخص ما اثبات بطلان دعوى لم يعطيك هو أصلا دليلا على صحتها. أو عندما يتعامل المدعي مع مجرد عدم وجود دليل على دعواه بأنه دليل على صحتها.
وبعبارة أخرى هي ان يطرح هذا الشخص ادعاءً ثم بدل مِن ان يتحمل هو مسؤولية الاتيان بالدليل الذي يبرر ادعائه، يطلب من الخصم الاتيان بدليل على بطلان ادعاءه.
الخلاصة: (يقع عبء الإثبات على عاتق المتحدث، وليس على عاتق من ينكر).
ومن الجدير بالذكر أن نعرف أن ليس كل ادعاء يحتاج دائما إلى دليل رياضي أو تجربة مباشرة في المختبر، فشكل الدليل المطلوب وطبيعته يعتمد على نوع الادعاء المطروح. لكن بشكل عام يبقى المبدأ ثابتا وهو أن من يقدم ادعاء قابل للنقاش لا يمكنه أن يعتبر عدم استطاعة الآخرين على دحضه دليلا على صحة ادعاءه.
ومن هنا يجب علينا التمييز بين أمران كثيرًا ما يختلطان وهما:
(عدم إثبات الدعوى) و (إثبات عدم الدعوى).
فعلى سبيل المثال إذا قال شخص:
(أن هناك إبريق شاي غير مكتشف يلف حول أحد الكواكب في هذا النظام الشمسي)، ثم عجز عن الإتيان بأي دليل على وجوده، فإن عدم مقدرة الآخر على إثبات عدم وجود ذلك الإبريق لا يجعل وجوده حقيقيًا، فكل ما نعرفه هو أن الدعوى غير مثبتة بعد ولا يحق لنا اعتبارها صحيحة.
ويمكن التعبير عن الصورة العامة للمغالطة على النحو الآتي:
1. أنا أطرح الدعوى (أ).
2. لا تستطيع أنت إثبات أن (أ) خاطئة.
3. إذن (أ) صحيحة.
مثال:
إذا قلتُ لك:
(يوجد طن من الذهب مدفون في مكان ما تحت هذه الصحراء القاحلة)، فأنا هنا من قدّم الادعاء وأنا من يجب عليّ أن أقدم سببا للاعتقاد بوجود طن الذهب. ولا يحق لي أن أقول لك: (أثبت أن هذا الطن غير موجود). فعدم مقدرتك على تفنيد كلامي لا يجعل الذهب موجودا فعلا.
فلو كان من المقبول أن نثبت وجود الأشياء بمجرد مطالبة الآخرين بإثبات عدم وجودها، لأصبح بإمكاننا إثبات عدد لا يمكن حصره من الأشياء المتناقضة بالطريقة نفسها. فيمكن لأي شخص أن يقول:
(يوجد تنين يعيش في مكان لا يمكن الوصول إليه.)
ثم يقول آخر:
(هناك تنين آخر غير مرئي يعيش في مثلث برمودا.)
ثم يقول ثالث:
(هناك آلاف التنانين غير المرئية خلف الجدار الجليدي المزعوم.)
وبما أنه لا يمكن لأحد إثبات عدم وجودها فوفق هذه الطريقة سيصبح من الممكن قبول جميع هذه الادعاءات في الوقت نفسه مهما كانت متعارضة أو بلا دليل.
العلم لا يعمل وفق قاعدة:
(الذي لم نبيّن خطأه فهو صحيح)
بل وفق منهجية تقوم على صياغة الفرضيات والنظريات واختبارها ومقارنتها بالأدلة ومحاولة اكتشاف ما إذا كانت تتنبأ بالواقع بصورة أفضل من البدائل.
لهذا فإن قول:
(لم يثبت العلماء أن هذه الفرضية او النظرية خاطئة إذن هي صحيحة)
ليس استدلالا علميا سليمًا.
بل إن الموقف المنطقي والعقلاني في بعض الحالات يكون ببساطة:
(لا نعرف بعد.)
وهذه الإجابة ليست ضعفًا في العلم بل اعتراف بالحدود الفعلية للمعرفة التي لدينا
توجد ادعاءات من الممكن من حيث المبدأ دحضها واختبارها ورغم ذلك لا يكون لدينا في الوقت الحالي دليل يكفي للحكم عليها. وفي المقابل، قد تكون هناك ادعاءات مصاغة بشكل يجعل دحضها مستحيلا أو غاية في الصعوبة.
فمثلا إذا قال شخص:
(هناك كائن غير مرئي لا يمكن اكتشافه بأي حاسة أو جهاز ولا يترك أي أثر وهو موجود في كل مكان.)
فقد صاغ ادعائه بشكل شديد الصعوبة ويجعل اختباره مستحيلًا. ورغم ذلك لا يعطيه هذا دليلا على صحة وجود هذا الكائن. فقد حاول التلاعب بالمنطق وجعل الدعوى محصنة من الدحض والتفنيد لكن هيهات أن يقبلها العقلانيون.
هذه من أهم القواعد في التفكير النقدي:
استحالة دحض الادعاء ليست دليلا على صحته.
هذا الشكل من الادعاء الموجود في المثال السابق يكون في بعض الحالات علامة على ضعف منطق المدعي وعلمه وعلى ضعف صياغته المعرفية فإذا كان صاحب الادعاء يضيف بشكل مستمر شروطا لا يمكن اختبارها كلما ظهرت مشكلة في الأدلة، فاعلم ان نقاشه مضيعة للوقت.
أمثلة أخرى:
قد يقول شخص: (الإمارات تتآمر علينا.)
وعندما يُسأل: (ما دليلك؟ )
يجيب: (لا أستطيع إخبارك، لكن أثبت أنت أنها لا تتآمر علينا.)
(هذا الشيخ منافق.)
(ما دليلك؟)
(أثبت لي أنه ليس منافق.)
(هناك مخلوقات فضائية تعيش تحت أرض القمر، وإذا كنت لا تصدقني فأثبت أنها غير موجودة)
(اعتقد أن ابن عمي سرق المال. إذا كنت تقول إنه بريء، فعليك أن تثبت أنه لم يسرقه.)
(يوجد اشباح في هذا المنزل. لقد بحثت ولم أجدها لكنك لا تستطيع إثبات أنها غير موجودة.)
وفي الختام، مغالطة عبء الإثبات ليست مجرد حيلة جدلية في المناظرات بل هي مشكلة في التفرقة بين المعرفة والجهل وبين الدليل وغيابه فإذا قدمتُ أنا الادعاء فلا يصبح صحيحا لأنك عجزت عن دحضه.
فعدم قدرتنا على إثبات وجود شيء لا يعني وجوده، كما أن عدم قدرتنا على إثبات عدم وجوده لا يعني عدم وجوده.
وفي هذه المواقف فإن الإجابة الأكثر عقلانية التي يرفض ضعاف المنطق والعلم قولها هي: (لا نعرف)



