كيف نخدع أنفسنا بحجج تبدو منطقية؟
وفسّر الماء بعد الجهد بالماء.
كأننا والماء من حولنا | قوم جلوس حولهم ماء
شاعر مجهول
المصادرة على المطلوب هي مغالطة منطقية تقوم على التسليم بصحة القضية المطلوب إثباتها منذ البداية، ثم استخدامها نفسها كوسيلة لإثبات ذاتها. ويحدث ذلك عندما يفترض صاحب الحجة أن النتيجة التي يسعى إلى البرهنة عليها صحيحة مسبقًا، فيُدرجها صراحةً أو ضمنًا ضمن إحدى مقدمات الاستدلال، بدلًا من أن يصل إليها كنتيجة مستقلة عن تلك المقدمات.
وبهذا الأسلوب، تتحول النتيجة إلى مقدمة، وتُعرض الدعوى وكأنها دليل على نفسها، ويُقدَّم الحل بدلًا من معالجة المشكلة، فيبدو الاستدلال ظاهريًا متماسكًا بينما هو في حقيقته دائري وخالٍ من البرهان الحقيقي.
وتكمن خطورة هذه المغالطة في أنها تُستَخدم غالبًا للتمويه على العجز عن تحمّل عبء البرهان، إذ لا يُقدَّم فيها سبب مستقل أو دليل خارجي يبرّر النتيجة، بل يُفترض صدقها منذ البداية. وتظهر المشكلة بوضوح عندما تكون النتيجة المراد إثباتها مضمنة أصلًا في المقدمات التي يُطالَب الخصم بتقبّلها أو الانطلاق منها، مما يجعل الاستدلال غير مُنتِج معرفيًا ولا يُضيف أي معرفة جديدة.
تتخذ مغالطة المصادرة على المطلوب صورًا متعددة، وغالبًا ما تحسن التخفي خلف صياغات تبدو للوهلة الأولى معقولة أو بديهية، إلى درجة قد يصعب كشفها أحيانًا إلا على من تمرّس في التحليل المنطقي.
ومن أبسط صور هذه المغالطة وأكثرها شيوعًا أن تُصاغ المقدمة على نحو لا يضيف شيئًا جديدًا، بل تكون مجرد إعادة صياغة للنتيجة المطلوب إثباتها، وكأن الحجة تدور في حلقة مغلقة لا تبرر نفسها إلا بنفسها.
ومن أمثلة ذلك:
1. تستلزم العدالة أجورًا مرتفعة، لأن من الحق والصواب أن يكون الناس أقدر على الكسب الوفير.
هذه الحجة لا تقول في جوهرها سوى إن العدالة تتطلب زيادة الأجور لأن العدالة تتطلب زيادة الأجور، أي إن النتيجة نفسها أُعيدت بصيغة مختلفة داخل المقدمة، دون تقديم سبب مستقل يبرر هذا الادعاء.
2. يجب إلغاء المواد غير المفيدة، مثل اللغة الإنجليزية، من مقررات الكلية؛ لأن إنفاق الأموال على مواد غير مفيدة للطالب أمر لا يقره أحد.
لا خلاف هنا على رفض تبديد المال العام على ما لا فائدة منه، لكن الإشكال المنطقي أن الحجة لم تُثبت أصلًا أن اللغة الإنجليزية مادة غير مفيدة، وهو لبّ القضية محل الخلاف. كل ما فعلته الحجة هو افتراض هذه النتيجة مسبقًا وتكرارها ضمن المقدمات، متجاهلة المقدمة المحذوفة في هذا القياس المضمر، وهي: اللغة الإنجليزية مادة غير مفيدة.
3. كل ما كانت كثافته أقل من كثافة الماء يطفو فوقه، لأن مثل هذه الأشياء لا يمكن أن تغطس في الماء.
هنا لا يُقدَّم تفسير أو سبب فيزيائي مستقل، بل يُعاد تعريف الطفو بصيغة أخرى، فتكون النتيجة مضمَّنة في المقدمة نفسها.
4. ما دمت لا أكذب، فأنا إذن أقول الحقيقة.
هذا القول مثال واضح على الدور المنطقي، إذ تُعرَّف الحقيقة هنا بأنها نقيض الكذب دون تقديم أي معيار أو دليل مستقل، فتُستخدم النتيجة لتبرير ذاتها.
قد يظن القارئ المبتدئ أن مغالطة المصادرة على المطلوب مغالطة مكشوفة وسهلة الاكتشاف، ولا تحتاج إلى دراسة أو تحليل عميق. غير أن هذا الانطباع مضلل في كثير من الأحيان، فالأمر لا يكون دائمًا بوضوح الأمثلة البسيطة المتداولة. ويكفي للدلالة على ذلك أن عقلًا فلسفيًا ومنطقيًا كبيرًا بحجم عقل أرسطو، الذي يُعد مؤسس المنطق الصوري وأحد أعظم المفكرين في التاريخ، وقع هو نفسه في مصادرة على المطلوب، كما بيّن ذلك جاليليو لاحقًا.
فقد حاول أرسطو إثبات أن الأرض تقع في مركز العالم بقوله: «الأجسام الثقيلة تميل بطبعها إلى مركز الأرض، بينما تميل الأجسام الخفيفة إلى الابتعاد عنه؛ إذن فإن مركز الأرض هو نفسه مركز العالم».
ويكمن الخلل المنطقي في هذه الحجة في المقدمة الكبرى نفسها، إذ تتضمن مصادرة على المطلوب. فالتجربة تخبرنا فعلًا بأن الأجسام الثقيلة تسقط نحو مركز الأرض، وأن الأجسام الأخف تتحرك بعيدًا عنه، وهذا لا خلاف عليه. لكن السؤال الحاسم هو: كيف انتقل أرسطو من مركز الأرض إلى مركز العالم؟ وعلى أي أساس افترض أن مركز العالم هو بعينه مركز الأرض؟
هذا الافتراض هو عين القضية المطلوب إثباتها، ومع ذلك جرى إدخاله ضمن المقدمات وكأنه حقيقة مسلَّم بها. وبهذا، لم تُبرهَن النتيجة، بل فُرضت منذ البداية، وهو ما يجعل الاستدلال مثالًا واضحًا على مغالطة المصادرة على المطلوب، رغم ما يتمتع به صاحبه من مكانة علمية وعقلية كبيرة.
1. الاستدلال الدائري
توجد حالات أخرى من الخطأ المنطقي لا يُفترض فيها المطلوب مباشرة داخل المقدمات بصيغة أخرى، كما هو الحال في بعض صور المصادرة على المطلوب، بل يُفترض بدلًا من ذلك أمرٌ تتوقف صحته نفسها على صحة النتيجة. أي إن هذا الأمر لا يمكن إثباته إلا إذا كانت النتيجة صحيحة مسبقًا. وهنا نكون أمام ما يُعرف بـ الاستدلال الدائري.
ويمكن تجريد الصورة المنطقية لهذا النوع من الاستدلال على النحو الآتي:
(أ) صادقة لأن (ب) صادقة
(ب) صادقة لأن (أ) صادقة
في هذه الحالة، لا تستند أي من القضيتين إلى دليل مستقل خارج الأخرى، بل تعتمد كل واحدة منهما على الأخرى اعتمادًا كاملًا. وهكذا يدور البرهان في حلقة مغلقة، دون أن يجد نقطة بداية حقيقية أو أساسًا ثابتًا يمكن الانطلاق منه.
ونحن هنا إزاء شكل من أشكال المصادرة على المطلوب، لأن صدق الدعوى المقدَّمة يعتمد على دليل يعود بدوره إلى الدعوى نفسها التي يُفترض البرهنة عليها. وبذلك لا يؤدي الاستدلال إلى إثبات حقيقي، بل يكتفي بتكرار نفسه في صورة مختلفة.
ويُعد الاستدلال الدائري مغالطة للسبب نفسه الذي يجعل المصادرة على المطلوب مغالطة، وهو أنه لا يقدم دليلًا مستقلًا عن الدعوى محل الخلاف، ولا ينجح في ربط ما هو غير معروف أو غير مقبول بما هو معروف أو مقبول. وهذا يتعارض مع القاعدة الأساسية في البرهان المنطقي، التي تقضي بأن يكون الدليل أوضح وأوثق معرفة من النتيجة المراد إثباتها.
أما ما يفعله الاستدلال الدائري في الواقع، فهو أنه يقدّم لنا قضيتين مجهولتين (أو أكثر)، تعتمد كل واحدة منهما على الأخرى، وكأن كل واحدة تطارد ذيل الأخرى في حركة لا تنتهي، دون أن يتمكن أي منهما من الاتصال بالواقع أو تقديم معرفة جديدة قابلة للتحقق.
أمثلة
1. قال الموظفون إن مديرهم عادل، فسألهم أحدهم:
- كيف عرفتم أنه عادل؟
أجابوا:
- لأنه يتخذ قرارات عادلة دائمًا.
فسألهم:
- ولماذا قراراته عادلة؟
قالوا:
- لأنه مدير عادل.
هنا لم يُقدَّم أي دليل مستقل على عدالة المدير؛ فالعدالة بُررت بالعدالة نفسها، ودارت الحجة في حلقة مغلقة.
2.قال شاب إن هذا الكتاب ممتاز.
فسأله صديقه:
- ما الذي يجعله ممتازًا؟
قال:
- لأن كل ما فيه صحيح.
قال الصديق:
- وكيف عرفت أن ما فيه صحيح؟
قال الشاب:
- لأنه كتاب ممتاز.
3.نحن نعرف عن طبيعة الرب وصفاته من الإنجيل.
ونحن نعرف أن ثقتنا في الإنجيل مطلقة؛ لأنه موحى به من الرب.
4.إنني أطلب منك أن تضطلع بهذه المهمة لأنني أقدر كفاءتك.
وكيف أعرف أنك تقدر كفائتي؟
هل كنت لأطلب منك أن تضطلع بمثل هذه المهمة لو لم أكن أقدر كفائتك؟
في ضوء ما سبق، يتبيّن أن مغالطتي المصادرة على المطلوب والاستدلال الدائري ليستا أخطاء سطحية أو سقطات لغوية عابرة، بل خللان عميقان في بنية التفكير نفسه. فكلتاهما تُنتجان وهم البرهان دون أن تقدما برهانًا حقيقيًا، وتمنحان الإقناع شكله الخارجي بينما تفرغانه من مضمونه المعرفي.
وتكمن خطورتهما في أنهما لا تفشلان فقط في إثبات ما تدّعيانه، بل تُعطّلان كذلك إمكان النقاش العقلاني، إذ تمنعان الانتقال من المجهول إلى المعلوم، ومن المختلف عليه إلى المتفق عليه. فحين تدور الحجة حول نفسها، لا يعود هناك معيار للاختبار ولا نقطة ارتكاز مشتركة يمكن للعقل أن ينطلق منها.
إن الوعي بهذه المغالطات ليس ترفًا نظريًا ولا تمرينًا أكاديميًا معزولًا، بل أداة ضرورية لحماية التفكير من الدوران في الفراغ، ولتمييز البرهان الحقيقي من تكرار الدعوى في صورة حجة. فالتفكير النقدي لا يبدأ بالإجابات، بل يبدأ دائمًا بسؤال بسيط وحاسم: هل ما يُقدَّم لي هنا دليل مستقل، أم مجرد إعادة صياغة لما يُراد إثباته؟
عن المقال:




