كيف تخدعنا العاطفة في المنطق؟
في الثمانينيات من القرن التاسع عشر أثبتَ الادعاء، في محكمة فرجينيا بالدليل الدامغ ضلوعَ صبي بقتل والديه بفأس، فما كان من محامي الدفاع سوى أن دَفَعَ ببراءة الصبي قائلًا: «أليس يكفي أنه أصبح يتيمًا لا أحد يتولَّى أمره؟!»
كثيرًا ما تُستَخدم العاطفة أداةً للتأثير على مواقفنا وآرائنا، لا بوصفها عنصرًا إنسانيًا مشروعًا، بل كوسيلة للإقناع دون سندٍ عقلاني. ففي الخطاب السياسي والإعلامي، على وجه الخصوص، يُستثار تعاطف المتلقّي عمدًا لدفعه إلى تبنّي قضيةٍ ما أو الانحياز إلى موقفٍ معيّن، دون تقديم أدلّة موضوعية تدعمه. ولا يقتصر هذا الأسلوب على السياسة أو الصحافة، بل يتجاوزهما ليظهر في مجالات متعدّدة من الحياة، مثل التعليم، والدين، والفلسفة، بل وحتى في بعض النقاشات التي تُقدَّم تحت غطاء علمي. ومن هنا تبرز الحاجة إلى التمييز بين الإقناع القائم على العاطفة، والحجج التي تستند إلى المنطق والأدلّة، تمهيدًا لفهم إحدى أشهر المغالطات المنطقية المرتبطة بهذا الأسلوب:
مغالطة مناشدة الشفقة (استدرار العطف)
في هذه المغالطة يُستعاض عن تقديم الأدلة والحجج العقلية السليمة بإثارة مشاعر الشفقة أو التعاطف لدى المتلقي، بهدف دفعه إلى قبول ادّعاءٍ ما أو اتخاذ موقفٍ معيّن، دون أن يكون هذا الادّعاء مدعومًا بأسباب منطقية أو أدلة موضوعية ذات صلة. وتُستخدم المعاناة الشخصية أو الظروف الإنسانية الصعبة كوسيلة إقناع، رغم أنها لا تُثبت صحة الفكرة المطروحة ولا تنفي بطلانها من الناحية العقلية.
العطف شعورٌ نبيل يتحلى به كل ذي أصلٍ كريمٍ، والشفقة عاطفة نبيلة يتسم بها كل ذي معدنٍ طيب، لا بأس قَطُّ باستدرار العطف والشفقة إذا استدعى السياق وخلصَت النية، إنما يكمن الخطأ في أن تسنِد إلى العطف وظيفةَ البَيِّنة، وأن تأخذ الشفقة مأخذ الحُجة.
أمثلة/
١. «… ينبغي تيسير الامتحانات على جميع الطلبة؛ لأنكم تعلمون مقدار البؤس الذي يعيشه الطالب المتوسط أو الضعيف عندما يحصل على درجات متدنية أو عندما يرسب.»
(للحُلم موضعٌ صحيح فعلًا، لكنه في مثل هذا السياق يندرج ضمن اختصاص وزارة الشؤون الاجتماعية، لا وزارة التربية والتعليم ولا وزارة التعليم العالي. ولم يُفسِد التعليمَ شيءٌ مثل هذا “التيسير” الذي يتملّق الحشود، ويذبح النوابغ، ويطمس بريقهم، ويُسَوّي بينهم وبين الأواسط الأنصاف. فهو يختار ثُفالةً من الحفَظة وعديمي المَلَكة، ممّن يليق بهم القاع، ثم يضعهم على قمة الهرم الاجتماعي والعلمي، ليُطلب منهم بعد ذلك أن يجرّوا المجتمع إلى الأمام! وما هكذا تتقدم المجتمعات، وتُقلِع الأمم).
٢. «… فَلتَأخُذكم الشفقة بهذه المتهمة يا حضرات القضاة، فإنها إذا أودعت السجن فسوف تتحطم حياتها وحياة من تقوم برعايتهم. أليس الأَوْلَى أن ننقذ حياةً لا أن نحطم حياة؟»
(ليست الشفقة هنا في غير موضعها فحسب (لم يذكر الدفاع حال المجني عليه الآن وحال عياله!) بل إنها خارجة عن الموضوع وغير ذات صلة بعملية الدفاع.)
٣. «… لا بُدَّ أن الحل الذي توصلتُ إليه لهذه المسألة الرياضية هو حل صحيح: لقد توصلت إليه بعد عناء خمس ساعات من اعتصار الفكر والتركيز المتصل.»
(إن الفكرة الخطأ هي فكرة خطأ سواء كانت نتاجًا لخمس دقائق من التفكير أو لخمسة عقود! وإن الزمن الذي أُنفِق أو الجهد الذي بُذِل في فكرةٍ ما لا يُنبِئنا بشيء عن صوابها أو خطئها، إنه، ببساطة، خارج عن الموضوع.)
٤. «لا تنتقدوا هذا القرار، فبلادنا تعاني أصلًا من الفقر والحروب، وأي اعتراض الآن سيزيد معاناة الناس.»
(يتم استدرار التعاطف مع معاناة عامة لتجنّب مناقشة القرار نفسه أو تقييمه على أسس عقلية وموضوعية.)
٥. «هذا المسؤول لا يستحق المحاسبة، فقد مرّ بطفولة قاسية وعاش ظروفًا إنسانية صعبة.»
(الظروف الشخصية تُستَخدم لإثارة الشفقة بدل تقديم مبرّر منطقي يعفيه من المساءلة.)
وفي الختام\
قد تكون مخاطبة الوجدان أو مناشدة العطف، أو غيره من الانفعالات، مشروعةً منطقيًّا، وذلك حين يكون هذا الانفعال هو نفسه موضوع الحُجة، أو يكون سببًا ذا صلة بقبول النتيجة: فقد أختار أن أشتري نفس الجريدة بنفس السعر من بائعٍ ضرير؛ لكي أهوِّن عليه عملَه الشريف، وقد يُقدِّر الأستاذ ظروف طالبٍ صَدَمَته شاحنةٌ في طريقه إلى الامتحان فيحتفظ له بامتحان إكمال، وفي رواية كنديد يستعرض فولتير أمثلةً للبؤس المستشري في العالم لكي يُفنِّد مذهب لَيْبِنِتْز القائل بأن هذا هو أفضل العوالم الممكنة جميعًا.
ومهما يكن مِن شيءٍ فإن انفعال العطف ليس من جنس الحُجة: للعطف أن يدفعنا إلى استباق الخيرات واجتراح المكارم، ولكن هيهات له أن ينهض دليلًا على رأي أو أساسًا لاعتقاد.
عن المقال/
استند هذا المقال إلى كتاب المغالطات المنطقية لـ عادل مصطفى، كما أُلتقطت الصورة الثانية الواردة فيه من كتاب المحاورة بالحيلة لـ علي الموسوي، وتم توليد صورة الغلاف باستخدام نموذج
DALL·E



